تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ٥ · صفحة ٤٧٢

﴿ وهزِّى إِليكِ ﴾ زعموا أنه لا يعمل الفعل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد ، ولو جرى الثانى بالحرف إلا فى باب ظن وعلم ، وفقد وعدم ورأى الحلمية قلت : لا مانع من ذلك إذا كان بحرف الجر ، كما هنا ، وكما فى قوله تعالى : ﴿ واضم إليك ﴾ وقوله : ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ وقوله : ﴿ يدنين عليهن ﴾ وقوله : ﴿ فصرهن إليك ﴾ وهو كثير فى القرآن ، وما كثير لا يحسن منع القياس عليه ، ولا تأويله ولم يجىء فى القرآن بلا حرف ، وهو الممنوع نحو : ضربتَكَ بفتح التاء ، وضربتُنى بضمها ، وزيد ضربه برد المستتر ، والهاء إلى زيد فهو متعلق بهزى ، ولا حاجة إلى تقدير أعنى إليك .

وأيضاً إلى فى هذه العناية أن علقت بهز محذوف فقد رجعت إلى المحذوف ولو قدر مضافاً أى إلى جهتك كان أولى ، مع أنه لا حاجة إليه ، ولا حاجة إلى جعل اسماً بمعنى عند ، ولا إلى جعلها اسم فعل ، وعدى بالى لتضمنه معنى الإمالة ، بل لا يحتاج إلى تأويل ، ألا ترى صحة قولك : هزى إلى كذا ، وكأنه قيل حركه إلى كذا ، والهز التحريك أى إلى جهة بعنف أو بلا عنف ، والهز إلى جهتها أو يمينا وشمالا فيسقط التمر قدامها .

﴿ بِجِذْعِ النَّخْلة ﴾ الباء متصلة للتأكيد ، والجذع مفعول به ، وإن جعلنا الباء للآلة فالمفعول محذوف تقديره ، هزى بجذع النخلة فروعها أو قنوانها ، ولا يحسن هزى ثمارها ، وقد كان يكفى عن هزها هز محلها ، فلا يحسن جعل رطباً مفعو به لهزى ، ومن خوارق العادة قدرتها على هز جذع النخلة ، أو خلقه الله رقيقا ليناً ، وكون ذلك فى غير أو أن الرطب ، خارق آخر ، ويروى أن عيسى أو جبريل ضرب الأرض بعقبه ، فجرت العين اليابسة ، واخضرت النخلة ، وأثمرت وأنعت ﴿ تُسَاقِط عليك ﴾ تتساقط ، أدغمت التاء الثانية فى السين والفاعل ضمير النخلة ﴿ رطباً ﴾ تمييز محول عن الفاعل الأصل تتساقط عليك رطبها ، وهى نضج البسر ، والواحدة رطبة ، ومعنى على العلو على قدامها ، ويحتمل السقوط على رأسها أو حجرها ، أو على مطلق جسدها ، فذلك بيان لكثرة الثمار الساقطة ، وأكد الكثرة بإسناد السقوط إلى نفس النخلة ، وأكدها أيضاً بصيغة التفاعل .

﴿ جَنياً ﴾ تم نضجه كلها ، خرج عن البسر ولم يصل التمر ، وكان بحيث يستحق أن يجنى ، أى يقطف من متعلقه ، وما يجنى خير مما يسقط فى الجملة ، لأنه يلتصق بالتراب ، وقد تأكل منه نملة ، وقد يكون قديما ، وما قرب عهداً أحسن مما بعد عهده ، ولكن جمع الله تبارك وتعالى كونه ساقطاً فى نظافة ما يدنى ، وما مفرده بالتاء هكذا يذكر ويؤنث ، ولذا قال : جنياً ، ولم يقل جنية .

وعن ابن عباس : لما هزت الجذع أسعف فاطلع ، فاخضر فأبلح ، فاجمر أو اصفر فأزهى فأرطب فى ساعة واحدة ، وهى تنظر ، وكان برنياً أو عجوة ، وهو المشهور ، قيل : حملت أيضاً الموز ، ولم يذكر لأن غاية النفع للنفساء فى الرطب ، وعن محمد الباقر لم تستشف النفساء بمثل الرطب أن الله أطعمه مريم فى نفاسها ، وقالوا ما للنفساء خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ، قيل : ولا سيما إذا عسر نفاسها ، وذكروا أن التمر للنفساء من ذلك الوقت ، وكذا تحنيك الصبى به إذا ولد ، وفى أمرها بالهز إشارة إلى الأمر بالكسب ، وأنه لا ينافى التوكل قيل :

٢٬٤٧٢ / ٦٬٠٩٣