تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

11

الجزء ٥ · صفحة ٤٦١

﴿ فخرج على قَوْمه من المحْرابِ ﴾ خرس لسانه عن أن يتكلم للناس أو من المغرب ، وأصبح فخرج على قومه من المحراب ، أى المصلى أو الغرفة ، وأصله مجلس الأشراف الذى يحارب دونه ذباً عن أهله ، فسمى محل العبادة محرابا ، لأن العابد يحارق الشيطان فيه ، ولم يكن المحراب على عهد رسول الله A ، وكانوا ينتظرونه أن يفتح لهم الباب ليصلوا ، فخرج متغير اللون وقالوا : مالك .

﴿ فأَوْحى إِليهم أن سَبِّحوا بُكرةً وعشياً ﴾ أشار إليهم كما يدل له قوله تعالى : ﴿ إلا زمراً ﴾ أو كتب لهم على تراب الأرض كما روى عن ابن عباس أو على ورقة ، كما روى عن عكرمة كقول عنترة :

كوحى صحائف من عهد كسرى … فأوحاها لأعجم طه طمى

وقول ذى الرقة :

سوى الأربع الدهم اللواتى كأنها … بقية وحتى فى بطون الصحائف

وأن تفسيريه بلا تقدير ، قيل : أو مخففة بتقدير الباء ، وسبحوا صلوا ، كما روى عن ابن عباس سمى الصلاة باسم بعضها ، وهو التسبيح فيها ، وبكرة وقت صلاة الفجر ، وعشياً وقت صلاة العصر ، فالتسبيح الصلاة فى الوقتين على الكيفية التى أمر بها ، ولم يتعبدوا بالصلوات الخمس ، أو التسبيح ذكر الله وتنزيهه ، أمروا أن يسبحوا شكراً للنعمة كما أمر ، أو المراد استغراق اليوم بالذكر ، وذكر طرفى اليوم فقط ، أو خص التسبيح لأنه من ير أمراً غريباً يقل سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله ، ومثل هذا ، أو أخبر قومه قبل طلب العلامة بما بشر به ، ولما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به ، فسروا لذلك ، ولما ولد وبلغ سناً مثله فيه قلنا يا يحيى كما قال :

﴿ يا يحيى خُذ الكتابَ ﴾ التوراة المعهودة ، أو صحف إبراهيم ، أو كتاباً خص به ، وأل للعهد الحضورى ، أو جنس الكتب المنزلة ، ولما يأت الإنجيل ﴿ بِقوَّة ﴾ بخذ منك فى قراءته والعمل به ، والأمر به ، وعن أنس : القوة الدرس بجد ومواظبة ، وفى الأمثال : عليك بالدرس فإن الدرس هو الغرس ، قيل لعبد الله بن عباس : بم نلت العلم؟ فقال : بلسان سئول ، وقلب عقول ، وفؤاد غير ملول ، وكف بذول ، وبدن فى الضراء والسراء صبور ، وقيل لبزرجمهر : بم نلت؟ فقال ببكور كبكور الغراب ، وتملق كتملق الكلب ، وتضرع كتضرع السنور ، وحرص كحرص الخنزير ، وصبر كصبر الحمار ، وقال بعض : إن القائل : ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ أبوه لما ترعرع قال له أبوه ذلك ، ولا دليل فى الآية عليه ، فلا تحمل عليه ، ويزيده بعداً قوله تعالى :

﴿ وآتيناه الحُكْمَ صبياً*وحناناً من لدنَّا وزكاة ﴾ فإن الأنسب أن يكون قائل هذا هو قائل : ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ وذلك فى ذاته من الجائز ، فيكون آتيناه الحكم عطفاً على ما قبل : يا يحيى ، لكن أى دليل على إدخال الأب فى ذلك ، فالقائل الله والعطف على قلنا المقدر ، والحكم الفهم والعبادة .

٢٬٤٦١ / ٦٬٠٩٣