42
الجزء ٥ · صفحة ٤٨٩﴿ إِذ قال لأَبيه ﴾ بدل اشتمال من إبراهيم اعترض بينها بجملة تعليلية ، وذلك من خروج إذ على الظرفية كما خرجت عنها بالإضافة إليها فى يومئذ ، وحينئذ ، أو متعلقة بكان ، لأن الصحيح جواز التعليق بكان التى لها خبر ، وأنها تدل على الحث ، ولو شهر منع ذلك ، وقيل متعلق بنبياً ، وفيه أنه يلزم أن الله جل وعلا جعله نبياً حين القول لأبيه ، ويحاب بأنه يطلق الوقت على ما قبله وما بعده مما يليه ، فإذا وقع نبى فى شهر مثلا صح إطلاق أنه وقع فيه ، مع أنه وقع فى جزء منه ، وكذا البحث والجواب إذا علق بصديقا .
﴿ يا أبت ﴾ التاء عوض عن ياء المتكلم ، وأبوه آزر وهو ظاهر القرآن ، وقيل هو عمه ، ويصح أنه أبوه ظاهر ما رواه أبو نعيم والديلمى ، عن أنس ، عن رسول الله A : « حق الوالد على ولده ، أن لا يسميه إلا بما يسمى به إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه » .
﴿ لم تعْبُد مالا يسْمَع ﴾ ثناءك عليه ، ولا صوتك بالخضوع إليه ، ولا صوتاً ما من الأصوات ﴿ ولا يُبْصر ﴾ خضوعك وخشوعك بين يديه ولا شيئا ما من الأشياء ﴿ ولا يُغْنِى عنك شيئاً ﴾ أى إغناء ما أولا يدفع عنك شيئاً ، ولا يفيدك شيئا ، والجماد من شأن أن يكون شيئا مطروحاً إلا إذا احتيج أن ينتفع به فعل به بلا احترام له ، فكيف يحترم غاية الاحترام ، ويعبد وهو دون عابده ، مع أن العاقبل المميز القادر على النفع والضر بإذن الله سبحانه ، لا يستحق العبادة لأنه محتاج ليس بخالق ، ولا رازق ، ولا محيى ولا مميت ، ولا مثيب ولا معاقب ، وذلك حجة عقلية ، واحتج بالنقلية فى قوله :
﴿ يا أبت إنى قد جاءنى مِنْ العِلْم ﴾ متعلق بجاء ، ومن للابتداء أو حال من ما ، ومن للتبعيض من قوله : ﴿ ما لم يأتِك ﴾ استماله برفق إذا لم يسمه بجاهل ولا نفسه بعالم ﴿ فاتبعنى أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستقيما سهلا ، لا يضل سالكه ، موصلا إلى أسنى المطالب منجياً من المعاطب ، وهو ما أوحى الله إليه من التوحيد والعمل بما يجب ، وترك ما يحرم والوعد والوعيد ، وإن كان ذلك قبل الوحى إليه صح أيضا ، لأنه على دين الله قبله أيضا ، ثم حذره بأن عبادة الأصنام التى تعبدها عبادة للشيطان لأمره بها ، وهو عدو لله الذى منه النعم كلها ، المسمى الرحمن أى المنعم ، أفلا تخاف أن يسلبها عنك فقال :
﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ فعيل للمبالغة أو مفعول أدغمت واوه فى يائه ، وكسر عاقبلها ، وأراد عصيان على الإطلاق ، أو عصيانه بترك السجود لآدم تذكيراً له بعداوة أبيه ، فيجتنب مصادقة من هو عدو لأبيه ، كما رسم فى القلوب ، ثم صرح له بالتحذير من أن يعاقبه الله على مصادقة عدوه وقال :