تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

47

الجزء ٥ · صفحة ٤٩٢

﴿ قال ﴾ كأنه جواب سؤال عما قال إبراهيم ﴿ سلام عليك ﴾ سلام موادعة ، ومقابلة السيئة بالحسنة ، أى لا يصيبك منى ما يؤذيك من دعاء إلى الخير ، إذ لم تقبل منى كقوله تعالى : ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين ﴾ إلا أنه هنا ما ذكر الجهل ، وقيل تحية مفارقة بناء على جواز أن يبدأ المسلم الكافر بالسلام ، وهو مذهب سفيان بن عيينة ، مستدلا بقوله تعالى : ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ﴾ الآية ، ويرده أن ذلك مقيد بما فى صحيح مسلم ، عن رسول الله A : « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام » وقد يخالف شرع إبراهيم فى هذا شرعنا .

﴿ سأستغفر لك ربى ﴾ أن يوفقك إلى التوبة ، ووفى بهذا الوعد بعد ، كما قال الله D عنه : ﴿ واغفر لأبى إنه كان من الضالين ﴾ ﴿ وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ أى وعدها لأبيه لا كما قيل وعدها أبوه له أن يؤمن بالله والاستغفار ، بمعنى طلب الهداية ، ولما تبين له أنه قضى الله أن لا يؤمن ، وجب عليه أن لا يطلب له الهداية ، إلا أنه إذا كان الاستغفار بمعنى طلب الهداية ، فهو جائز لكل غاسق أو مشرك ما لم يمت ، ويجىء الوحى أنه لا يؤمن أحاديث : « اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون » ومشهور مذهبنا فى المغاربة منع ذلك .

وقد يكون الاستغفار على ظاهره مبنياً على اشتراط الاسلام مثل أن يقول : الله اغفر له على أن يتوب وإما أن تقول فيمن ظهر لك موجب ولايته ، اللهم اغفر له إن كان سعيداً أو موجب براءته اللهم العنه ، إن كان شقيا ، فلا يجوز على المشهور ، بل تتول أو تتبر بلا اشتراط لذلك ، واتفقوا على أن لا اشتراط فى المنصوص عليه ، والمذهب الصحيح أن لا يستغفر للمشرك مطلقاً إلا إن جاء الوحى أنه سيؤمن ، وكل من علمت بشركه فقد تبين لك أنه من أصحاب الجحيم بحسب الظاهر لك ، ولا تكلف الغيب .

﴿ إِنه كانَ بى حفياً ﴾ عظيم البر والإكرام لى ، وكثيره ، والجملة تعليل لما قبلها ، وبى متعلق بحفياً ، قدم للفاصلة والاهتمام الذى علمه الله من إبراهيم ، ولا يخفى ما فى كلام إبراهيم من الرحمة كما هى شأن الأنبياء كلهم ، وخصوصا للأقارب ، وخصوصاً من الأقارب الأبوين اداء لبعض حقوقهما كما هنا ، وإن كان عماً ، فالعم كالأب .

٢٬٤٩٢ / ٦٬٠٩٣