تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

231

الجزء ١ · صفحة ٢٧٦

بالشكر والقيام بحق النعمة ﴿ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ كالهداية ورسالة النبى A ﴿ وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَبِ ﴾ القرآن ﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾ عطف خاص على عام . والحكمة القرآن ، أى الجامع بين أنه قرآن وحكمة ، أو هى القرآن والسنة ، أو السنة ، كما قال الشافعى معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له ، كما قال ابن وهب عن مالك ، والفصل بين الحق والباطل ، كما قيل ، والإصابة فى القول والعمل كما قيل ، والموعظة كما قال مقاتل ، أعنى ، أن الآية لجميع ذلك ، وأصل الحكمة الرد وتلك المعانى ترد عن الجهل والخطأ ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ يوصيكم ترغيباً وترهيباً ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ ﴾ فهو لا يأمر إلا بما هو حكمة ويجازيكم على الموافقة والمخالفة فيما مضى من الأحكام وغيرها كالعضل فى قوله تعالى :

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ أى أيها الأزواج ﴿ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ اللحظة بعد تمام العدة ، أى انقضت عدتهن ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لا تمنعوهن أيها الأولياء ، وفى الآية جواز تعدد المخاطب ، بأن يخاطب ببعض الكلام غير المخاطب ببعضه الآخر فالحق الجواز إذا بان المراد ، كما جاء فى غيره هذه الآية الخطاب بالكاف للنبى A ، وبالكاف والميم للأمة ﴿ أَن يَنْكِحْنَ ﴾ يتزوجن ﴿ أَزْوَجَهُنَّ ﴾ أى من كانوا أزواجاً لهن ، فذلك من مجاز الكون .

طلق عاصم بن عدى زوجه جُمْل ، وقيل جميل بالتصغير ، وأراد تزوجها بعد انقضاء العدة ورضيت ورضى أخوها معقبل بن يسار فزوجه بها ثانياً ، ثم طلقها ثانياً ، وطلبها ابن عم له بعد العدة للتزوج ، ومنعها أخوها معقل بن يسار ، وهو ابن عم عاصم أيضاً ، وحلف ألا يزوجها أبداً لأحد ، فنزلت الآية فزوجها بابن عمه الآخر ، فكفر يمينه .

وروى البخارى وأبو داود والنسائى والحاكم وابن ماجه والترمذى عن معقل بن يسار ، كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه ، فكانت ، عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهوتها وهويَتْه ، ثم خطبها مع الخطاب فقلت له : يالكع ، أكرمتك بها وزوجتكها ، وطلقت ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبداً ، وكان رجلاً لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل هذه الآية ، قال : ففىَّ نزلت ، فكفرت عن يمينى ، وأنكحتها إياه ، وفى لفظ ، فلما سمعها معقل قال : سمعاً لربى وطاعة ، ثم دعاه ، فقال : أزوجها وأكرمها .

وقيل : الخطاب فى تعضلوهن للأَزواج المطلقين لهن ، فيكون المراد بالأزواج فى قوله : أن ينكحن أزواجهن ، من أردن أن يكون بعد العدة زوجا غير الأول وسمى غير الزوج زوجا لأن حبهن لأن يكون زوجا لهن سبب لتزوجهن به فكأنه من مجاز الأول ، ومن لم يشترط فى مجاز الأول التحقق ولا الرجحان ، بل مطلق الإمكان فظاهر أنه منه ، وكان أهل الجاهلية يمنعون من طلقوهن أن يتزوجن غيرهم ، ترفعا أن يطأها غيره ، وقيل : الخطاب فى تعضلوهن من للأَولياء والأزواج ، أى لا يمنعهن الأزواج المطلقون عن تزوج أزواج آخرين ، ولا الأولياء ، عن تزوج المطلقين لهن ، وقيل الخطاب للناس كلهم ، أى لا يكون فيكم عضل بمنع ولا برضاء به عن المطلقين ولا عن غيرهم ، فيكون عموم المجاز ، ويجوز كون الخطاب أيضا فى طلقتم للأَولياء والأزواج من عموم المجاز ، لأن الأولياء سبب لأنهم يعرضون لتخليص وليتهم من الأزواج إذًا ﴿ تَرَضَوْا بَيْنَهُمْ ﴾ أى الأزواج والنساء ، رضى كل منهم الآخر ، وإذا عائد إلى ينكحن ، وإن جعلنا عائداً إلى تعضلوهن فلأن التراضى معتاد ، لا لتجويز العضل إذا لم يتراضوا ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ اللائق شرعا وعادة ومروة ﴿ ذَلِكَ ﴾ المذكور من أحكام الطلاق والإيلاء واليمين ، أو ما فى السورة ، أو النهى عن العضل ، وإفراد الخطاب للعموم البدلى ، أوله A ، أو تأويل الفريق الأزواج أو الأولياء ، ولا يصح ما قيل إن الكاف لمجرد الخطاب ، إذ لا خطاب بلا مخاطب ، بفتح الطاء ﴿ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ هذا بإعادة كاف ذلك لرسول الله A ، كقوله تعالى :

٢٧٦ / ٦٬٠٩٣