تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

9

الجزء ٩ · صفحة ١٤١

﴿ أمَّن ﴾ الاستفهام تقرير ، ومن موصول مبتدأ ، والخبر محذوف مع معادلة أى الذى ﴿ هُو ﴾ على عمومه ، ولو قيل عن ابن عباس : نزلت فى أبى بكر وعمر ، وعن ابن عمر : نزلت فى عثمان ، وقيل : نزلت فى ابن مسعود وعمار وسلمان ، وسبب النزول لا يخصص ﴿ قَانِتٌ آناء الليْل ساجدا وقائما يحْذر الآخرة ويَرجو رَحْمة ربِّه ﴾ خير أم أنت أيها الكافر ، والقانت القائم بما وجب من الطاعات ، وتطوع العبادات فى السراء والضراء وآناء الليل ساعات الليل ليتمكن من تحقيق فقط ، كعادتك أيها الكافر ، وساجداً حال من المستتر فى قانت ، ويحذر حال ثانٍ أو حال من المستتر فى ساجدا ، أو مستأنف جوابا ، كأنه قيل : ما باله قال : ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أى عذابها ، ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ فى الآخرة .

عن أنس : دخل رسول الله A على مختصر فقال : « كيف تجدك؟ » قال : أرجو وأخاف ، فقال A : « لا يجتمعان فى قلب عبد فى مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذى يرجو وآمنه الذى يخاف » والآية تدل على وجوب الكون بين الخوف والرجاء ، فما جاوز حد الخوف كان أمنا ، وقد قال الله تعالى : ﴿ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ وما جاوز حد الرجاء كان إياسا وقد قال الله تعالى : ﴿ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ وتدل على فضل صلاة الليل لاجتماع القلب فيه ، وعلى جواز الايمان والعمل الصالح ، خوفا من النار ، وعلى جوازهما لدخول الجنة ، وعلى جوازهما للنجاة من النار ، ودخول الجنة ، وجاز من الحديث القصد بهما لإجلال الله تعالى لا خوفا من النار ، ولا طمعا فى الجنة ، كصهيب ورابعة العدوية ، ومن قال : لولا الجنة أو لولا النار ، أو نحوهما ما عبدت الله ذما لنفسه إذ كانت لا تعبد إجلالا له تعالى ، بل لذلك ، فلا بأس وأن قاله استخافا بحق أو لولا أنه يعاقبنى ما عبدته أشرك .

﴿ قُل ﴾ لذلك الكافر تقريرا وتصريحا بالحق ، وتنبيها عن الأعراض والغفلة ﴿ هَل يَسْتوى الَّذين يعْلَمُون ﴾ يدركون الحق فعلموا به ، فلزموا الطاعات ، وخافوا العقاب على التقصير ، ورجو الرحمة ﴿ والَّذين لا يعْلمُون ﴾ لا يدركونه فعلموا بجهلهم وهواهم ، مثلك أيها الكافر الجاعل لللأنداد ، لا يستوون ، العالمون العلم الحقيق الذى أثمر العمل الصالح ، ترك المعاصى فى أعلى وفى خير ، والدين لا يعلمون فى أسفل ، وفى شر ، والعالم بلا عمل كالجاهل ، وقد يعتبر أنه أشد عنادا من الجاهل ، والآية على العموم ، ولو قال يحيى بن سلام : المراد رسول الله A ، وقال ابن عباس : أبو بكر وعمر ، وقال مقاتل : عمار وصهيب وابن مسعود وأبو ذر ، وقال عكرمة : عمار ، وعن ابن مسعود فى رواية : المراد عمار ، وفى أخرى عما روى ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة .

﴿ إنَّما يتذكَّر ﴾ بالدلائل المذكورة فيزدجر عن الاشراف والمعاصى ﴿ أولُوا الألبَاب ﴾ العقول الخالصة عن الشبه لا هؤلاء الكفرة ، فانهم بمعزل عن التذكر .

٤٬١٤١ / ٦٬٠٩٣