17
الجزء ٩ · صفحة ١٤٨﴿ والَّذينَ اجْتَنبُوا الطَاغُوت ﴾ فلعوت من الطغيان ، بزيادة الواو والتاء ، وأصل الألف ياء أو واو من طغا يطغو ، أو طغى يطغى بفتحهما ، كما يقال : الطغيان والطغوان ، قدمت اللام على العين ، واللام واو أو ياء مفتوحة ، هكذا طوغوت وطيغوت ، فقلبت ألفا لتحركها بعد فتح كما وقع التقديم بمهم فى صاعقة من صاعقة ، والطاغوت الكاهن والشيطان ، وكل رأس فى الضلال ، والساحر والمتعدى ، وكل معبود من ددون الله مريد للعبادة ، أو صنم لا ارادة له ، والمارد من الجن ، والصارف عنالخير ، وقيل حقيقة فى الشيطان ، يطلق على الواحد فصاعدا ، ولعل أصله مصدر ، جعل اسما للمبالغ فى الطغيان فصح اطلاقه على القلي والكثير ، كما استعمل فى الآية للجماعة فأنت بتأويل الجماعة إذ قال : ﴿ أنْ يعْبُدوها ﴾ فى تأويل مصدر بدل اشتمال ، أى عبادة تلك الجماعة من الأصنام أو الجن أو الآدمين .
﴿ وأنابُوا الى الله ﴾ بالعبادة معرضين عن غيره ﴿ لَهُم البُشْرى ﴾ بالسعادة والجنة على ألسنة الرسل فى الدنيا ، جزما لبعض ، وعلى شرطا البقاء على الحق لبعض ، وعلى األسنة الملائكة عند الموت ، وعند الحشر ﴿ فبشر عِبَاد * الذين يسْتمعون القَول فيتَّبِعُون أحْسَنه ﴾ أى فبشرهم بالاضمار الذين اجتنوا الطاغوت ، وأنابوا الى الله D ، وأظهر ليصفهم باستماع القول ، واتباع أحسنه ، وهم على العموم هنا وهنالك ، وقيل : على الخصوص بحسب النزول ، قيل : نزلت فى زيد بن عمرو بن نفيل ، وسلمان ، وأبى ذر ، كانوا فى الجاهلية يقولون لا إله إلا الله ، وقيل فى عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، وسعيد بن زيد ، والزبير ، لما أسلم أبو بكر جاءوه وقالوا : أسلمت؟ فقال : نعم ، فذكرهم بالله تعالى فآمنوا ، ويعتبر عموم اللفظ ، والقول عام وأحْسنه ما كان منه حقا ، وهو خارج عن التفضيل ، أو باق إظهار النفل إلا لداع ، ويتبعون أسراره ، ويبتعون الطاعة الواجبة قبل المندوب اليه ، والقرآن قبل غيره .
وهكذا كل حسن وأحسن يتبعون الأحسن يتبعون الأحسن ، ومن الحسن المباح ، وإذا عرض ندب وواجب سارعوا الى الواجب ، والقول قول الله تعالى وقول غيره ، فما ذكر الله D أنه قبيح اجتنبوه ، وما ذكر أنه حسن أو أحسن اتبعوا أحسنه ، ويجتنبون قول الناس القبيح ويتبعون أحسنه وحسنه ، ويقدمون الأحسن ، والذين نعت ولو وقف على عبادى وأخبر عن الذين بقوله ﴿ أولئك الَّذين هَداهُمُ الله ﴾ لكان العباد هم الذين اجتنبوا الطاغوت المعهودين ، لكن لا يحمل الكلام على ذلك الوقف ﴿ وأولئك هُم أولوا الألباب ﴾ القلوب الخالصة التى لا يؤثر فيها الهوى ولا الشبهة .