28
الجزء ١٠ · صفحة ١٠٤﴿ يسْتَمعُون القرآن ﴾ حال مقدرة من نفرا على نعته بقوله : ﴿ من الجن ﴾ على جواز كون التقدير من غير صاحب الحال ، فان النفر حين الصرف غير مقدرين الاستماع ، وهو مشكل ، أو حال من فاعل صرف ، فان الله D هو الصارف مقدر استماعهم ، وهو مشكل أيضا لأنه ليس فاعلا للاستماع ، فلعل الجملة نعت لنفرا ، أى نفرا يستمعون القرآن ، عاب الله D قريشا بأنهم كفروا بمن هو آدمى مثلهم ، ومن نسبهم ، وشرفه شرف لهم ، وآمن به الجن ، وهم بخلاف ذلك ، وأما اللغة ، فالجن كغيرهم فى لغة العرب ، ويوصفون بالقوة كعاد ، وقصة عاد تضمنت ذكر الريح ، وهذه القصة تضمنت ذكر الجن ، فتناسبت القصتان ، وذكرتا لغرابتهما ، وهؤلاء النفر من جن نصيبين من ديار بكر قريبة من الشام ، وقيل من نينوى ، وهى من ديار بكر لكن قريبة من الموصل ، ويقال : انهم من الشيطان ، وهم أكثر الجن عددا ، وعامة جنود ابليس منهم ، والقرآن الذى يستمعون هو سورة : ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ قرأها عليهم رسول الله A ، وعن جابر بن عبد الله ، وابن عمر أنها سورة الرحمن ، كلما قرأ A ﴿ فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ قالوا لا بشىء من آيات ربنا نكذب ، ربنا لك الحمد ، وبعض القرآن يسمى قرآنا أى قراءة أو مقروء .
﴿ فلمَّما حَضَروه ﴾ أى حضروا القرآن لذكره فى قوله : ﴿ يستمعون القرآن ﴾ أى حضروا عند تلاوته ، وهو الظاهر ، ولا مجاز فيه تقول : حضرت القرآن عند فلان ، كما تقول حضرت فلانا ، وقيل الهاء لرسول الله A ، لذكره بقوله : « اليك » الا أنه هنا بالخطاب بالغيبة على طريق الالتفات ، ويدل له قراءة قضى بفتح القاف والضار ﴿ قالُوا ﴾ قال بعض لبعض ﴿ أنصِتُوا ﴾ اسكتوا لتسمعوا ، وفيه تأدب عام لحال الاستماع مطلقا لأنهم حال القول ، لم يعلموا أنه علم حتى تأدب مع العلم والارشاد الى كيفية تعلمه ﴿ فَلما قُضِىَ ﴾ فرغ A من قراءة ما أراد قراءته ، كما قرىء قضى بفتح القاف والضاد ﴿ ولَّوْا الى قومِهِم ﴾ وهم الجن ، أو المراد الجنس أى أقوامهم كل ذهب الى قومه من الجن .
وكان الحضور بوادى نخلة على نحو ليلة من مكة المكرمة ، انطلق النبى A فى طائفة من أصحابه الى سوق عطاظ ، وقد حيل بين الشياطين وخبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين الى قومهم فقالوا : مالكم؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا اشهب ، قالوا : ما حيل بينكم وبين خبر الساماء الا لشىء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض مغاربها ، فانظروا ، فتوجه نفر نو تهامة ، ووافوا النبى A بنخلة يصلى بأصابه صلاة الفجر ، فاستمعوا له فى صلاته ، فلما سلم رجعوا الى قومم منذرين ، وقد آمنوا وقالوا : هذا والله الذى حال بيننا وبين خبر السماء ، فرجعوا الى قومهم منذرين ، رواه البخارى ومسلم والترمذى ، عن ابن عباس ثم رأيته للنسائى ايضا .