جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة

الجزء ٣ · صفحة ٢٣٠

الكاتبون من المتكلمين والمفسرين، وهي مسألة خلف الوعيد، فالقائلون بسقوط عقوبات الكبائر بسبب الشفاعات سوغوا إخلاف الله لوعيده، بل قالوا بوقوع ذلك وعدوه من آثار الكمال الإلهي لأنه دال – عندهم – على سعة الحلم وواسع الإحسان، والقائلون بخلاف ذلك لا يسوغون إخلاف الوعيد كما لا يسوغون إخلاف الوعد، ويعدون وصف الله بها جهلا بكماله الذاتي ومقامة الإلهي، ذلك لأن إخلاف الوعيد لا ينفك عن الدلالة إما لا البداء والجهل، وإما على الكذب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وبيان ذلك أنه تعالى لا يخلوا حال الوعيد إما أن يكون عالما بأنه لن ينجزه وإنما توعد بما توعد به لمجرد الردع والكف عن المخالفة، وهذا هو الكذب بعينه، وهو غير لائق بأصحاب الشيم والإباء من البشر فكيف يليق برب العالمين؟ وإما أن يكون غير عالم بما سيحدث من موجبات الإخلاف وإنما انكشف له من بعد ما كان منطويا عنه من قبل فرأى الإخلاف أولى من الإنقاذ، وهو – كما ترى – يستلزم – لا محالة – الجهل وبدو البدوات – تعالى الله وجل عن ذلك – ولئن ساغ هذا من المخلوق العاجز الجاهل فإنه لا يسوغ بحال من الخلاق العليم الذي وسع كل شيء قدره، وأحاط بكل شيء علما.

وبجانب هذه الدلالة العقلية على استحالة إخلاف الله لوعيده فإن الأدلة النقلية تعضدها، منها قوله تعالى: ( لا تبديل لكلمات الله )(46) ،وقوله: ( إن الله لا يخلف الميعاد )(47) ، وقوله: ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد )(48) ، وهو نص في الموضوع لأنه مترتب على قوله من قبله: ( لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد )(49) ،وقد استقر عند الأصوليين أن المعلومات إذا ترتبت على أسباب خاصة تعد قواطع بالنسبة إلى تلك الأسباب.

وقد أبعد المخالفون النجعة حيث قاسوا في هذه القضية شأن الحق على أحوال الخلق إذ حسنوا إخلاف الله لوعيده نظرا إلى ما تعورف به بين الناس من أن تراجع المتوعد عما توعد به يعد من مكارم الأخلاق

١٬٠٠٥ / ١٬٢٢٠