المكي والمدني من القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٨٠المزمل/20) وإذا كانت الصلاة قد فرضت في وقت مبكر في مكة المكرمة قبل أن تستقر على طريقة الصلوات الخمس التي فرضت ليلة الإسراء فإن الزكاة لم تفرض تفصيلا إلا في المدينة المنورة، وأوجبت بمكة إجمالا لتشويق الناس إليها وترغيبهم في معرفة تفصيلها والمحرمات عندما يرد ذكرها في القرآن المكي يرد بطريق الإجمال أيضا نحو قول الله تعالى(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/33) وقد تجد فيه ذكر بعض المحرمات بشيء من التفصيل والبيان إذا كانت موغلة في الفحش، كالذي نجده في سورة الإسراء من التحذير من قتل النفس بغير حق وقتل الأولاد والاقتراب من الزنا، وتطفيف الموازين والمكاييل وغيرها من الأمور التي توقف سلامة الإنسان على اجتنابها من أول الأمر.
أما القرآن المدني فهو لا يغفل جانب العقيدة ولكنه يعنى مع ذلك بالجوانب العسكرية والمدنية في حياة الأمة الإسلامية ويرجع ذلك إلى قيام الدولة الإسلامية التي تستوجب أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية والعبادات أيضا عندما تذكر في القرآن المدني تذكر بشيء من التفصيل والإيضاح ويضيف السيد محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" إلى ذلك أن القرآن المكي يتميز بجزالة التعبير وبالدلالة على المعاني الجمة بالقليل من الكلمات ويرد ذلك إلى أن القرآن في مكة كان يواجه قريشا وهم أفصح العرب لسانا، وأبلغهم بيانا، وإدراكهم لمضامين الكلام وأوعاهم لمقاصده وأما القرآن المدني ففيه الإسهاب والتطويل خصوصا عندما يخاطب بني إسرائيل لأنهم لم يكونوا عربا أقحاحا، فلا يدركون من مقاصد الكلام العربي الجزل ما تدركه العرب لا سيما قريش، وفي هذا نظر فإن القرآن طبقة واحدة في بلاغته ولا يتصور أن تكون عبارة