المكي والمدني من القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٨١أبلغ من عبارة فيه، وإنما تختلف الموضوعات التي يتطرق إليها فبعضها يقتضي الاختصار وبعضها يستوجب الإسهاب، وبما أن المدينة قامت فيها الدولة الإسلامية كان الحال يقتضي وضع الأسس لحياة الأمة، ومن المعلوم أن أمور المعاملات بل والعبادات تستوجب شيئا من التفصيل والإطالة أكثر مما يستوجب الوعد والوعيد، فلا عجب إذا رأينا القرآن المكي وهذا من معالم بلاغته فإن البلاغة تقتضي الاختصار تارة والإطالة تارة أخرى باختلاف المقامات على أنا إذا نظرنا إلى آيات التوحيد المدنية كأية الكرسي وخواتم البقرة وخواتم الحشر نجد فيها من جزالة اللفظ وغزارة المعنى ما لا يقل عما في نظائرها من الآيات المكية، وخطاب القرآن. وإن كان في وقت نزوله وبحسب عباراته- موجها تارة إلى قريش وتارة إلى بني إسرائيل وأخرى إلى غيرهم كمنافقي المدينة فإنه- بحسب معناه وبمقتضى مقاصده- يخاطب الثقلين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا ينزل في شيء من عباراته إلى مستوى بلاغة المخاطبين وقد أنكر الإمام الجويني على الذين يقولون بأن بعض القرآن أبلغ من بعض، وقال ما معناه: إن هؤلاء عندما يقولون اللفظ الفلاني أبلغ من اللفظ الفلاني يشيرون إلى أن كلا اللفظين فيه حسن ولطف ولكن أحدهما أحسن وألطف من الآخر، وهم عندما يقولون إن سورة الإخلاص أبلغ من سورة اللهب يراعون ما في سورة الإخلاص من توحيد الله تعالى وما في سورة اللهب من الدعاة على الكافر بالخسران، ثم اعترضهم بما حاصله أن سورة الإخلاص جاءت بأبلغ عبارة لا يتصور أبلغ منها في تنزيه الله عن الشريك والوالد والولد والكفء، وسورة اللهب جاءت كذلك بأبلغ عبارة لا يتصور أبلغ منها في الدعاء على الكافر بالخسران، فليست إحدى السورتين أبلغ من الأخرى وهكذا لا تكون آية أبلغ من آية فإن الموضوعات التي تتناولها الآيات- وإن اختلفت- فالقرآن في تعبيره عنها طبقة واحدة لا تفاضل فيه من هذه الناحية، وإنما يتفاضل القرآن من حيث