المكي والمدني من القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٩٠تعالى (صِرَاط الذِينَ أنْعَمْتَ عَليْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَليْهِمْ ولا الضَّاليِنَ) ففي الشطر الأول من الآية تصريح بأن هناك من الأمم الغابرين أمة تمسكنت بالحق والتزمت به وفي هذا ما يبعث على النظر فيما كانوا عليه والاعتبار به كما قال (سبحانه) داعيا نبيه إلى الاقتداء بمن تقدمه من الأنبياء(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( الأنعام/90) وفي الشطر الثاني تصريح بأن هؤلاء إما ضال عن الحق مجانب لصراطه، وإما جاحد له ومعاند لمن يدعو إليه، فلذلك كان حريا بأن يغضب الله عليه ويجزيه وسائر القرآن يفصل هذا الإجمال من أخبار الأمم التي تفيد العبر وتبين حال الذين أصروا على باطلهم في سبيله فاتضح مما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي فصلها القرآن تفصيلا ومن هنا يرى الأستاذ الإمام أن إنزالها أولا يتفق مع سنة الله في الإبداع وبما اشتملت عليه كانت حرية بأن تسمى أم القرآن وأم الكتاب كما يقال للنواة أم النخلة لاشتمالها على عناصر النخلة كلها حقيقة لا كما يقول بعضهم: إن المعنى في ذلك أن الأم تتقدم على أولادها ويكونون من بعدها هذا ملخص ما استدل به الأستاذ الإمام على تقدم الفاتحة في النزول عن سائر القرآن وقد تعقبه تلميذه السيد محمد رشيد رضا بما حاصله أن هذا لا ينافي أن تكون سورة العلق سابقة على الفاتحة في النزول لأنها جاءت تمهيدا للوحي المجمل والمفصل، موجها خطابها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإعلامه بأنه سيكون- وهو أمي- قارئا بعناية الله ومخرجا للأميين من أميتهم إلى العلم بالقلم أي الكتاب وفي هذا استجابة لدعاء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ( البقرة/129) وفكرة احتواء الفاتحة على مجمل معاني القرآن قد سبق بعض