المكي والمدني من القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٨٩وذلك اليوم تتلاشى فيه السلطات المدعاة في الدنيا ولا يبقى أحد سلطان ولو ادعاء وإنما السلطان والقوة والحول والطول لله (عز وجل) فلا يبقى فيه مالا يكون خاضعا لجلاله مستسلما لأمره راجيا رحمته خائفا من عقابه وهذا يتضمن الوعد والوعيد…وقد يفسر الدين بالجزاء وهو إما ثواب للمحسنين وإما عقاب للمسيء وفي هذا وعد ووعيد وفي ذكر الصراط المستقيم فيما بعد إشارة إليهما، لأن من سلكه فاز ومن حاد عنه هلك وذلك يستلزم الوعد والوعيد وأما العبادة فقد ذكرت في مقام التوحيد بقوله(إيِّاكَ نعْبُدُ وَإيَّاكِ نسْتعِينُ) ثم جاء منطويا عليها وعلى المعاملات والسياسة بيان الأمر الرابع في قوله(اهْدِنَا الصِّرِاطَ المُسْتقيم) إذ المراد بذلك أنه وضع لنا صراط نيرا واضحا تتوقف السلامة والسعادة على الاستقامة عليه، ولا تكون الشقاوة إلا بالانحراف عنه وهذه الاستقامة هي روح العبادة لأنها باعثة إليها ويتضح ذلك في قوله تعالى(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(سورة العصر) فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما روح العبادة بعد توحيد الله عز وجل والتعلق بالله خوفا ورجاء وطاعة وتقربا روح كل عبادة شرعت في الإسلام والفاتحة بجملتها توجد جذوة هذه الروح ولأمر ما ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وزمانه فإن القصد من ذلك نفخ هذه الروح في نفوس المسلمين قبل أن يكلفوا الأعمال البدنية وقبل تفصيلها في سائر القرآن وما الأعمال البدنية إلا وسيلة لحقيقة العبادة وهي الفكر والعبرة والتعلق بالله في كل شيء على أن الله وحده هو العليم بالوسائل المؤدية إلى تحقيق العبادة فلذلك شرع ما شرع من الأعمال البدنية المؤدية إلى مراقبة الله في سائر التصرفات والأعمال وخشيته ورجائه في كل لحظة وأما الأخبار والقصص فهي تندرج تحت قوله