الاجتهاد للعلماء فقط
الجزء ٢ · صفحة ٣٧الاجتهاد للعلماء فقط:
أما في القاعدة الثالثة عشرة فقد أطلق وجوب العلم الاستقلالي الاستدلالي في الدين على جميع المسلمين، وهو أمر فيه حرج عظيم على عوام الناس الذين لا يفهمون معنى الدليل، فضلا عن تصور دلالته، إذ لو لزم كل أحد أن يستقل بفهم الدين للزم جميع الناس بلوغ درجة الاجتهاد في الفقه، فإن استنباط الأحكام الشرعية وترجيح الراجح من أدلتها يستوجب أن يجمع الإنسان فنونا من العلم تمكنه من فهم أدلة الشرع ومقاصد التشريع بعد التمحيص وإمعان الفكر، وإطلاق لزوم الاجتهاد أو إباحته لمن لم يستجمع آلاته الضرورية، أمر يترتب عليه الخوض في أحكام الله بدون علم، وهو من أكبر الكبائر، ولذلك قرنه الله تعالى بالشرك في قوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)(1).
وإطلاق مثل هذا القول جرأ جهلة الناس في زماننا على القول بدون علم في دين الله، والتطاول على فقهاء الإسلام الذين رسخت في الفقه أقدامهم، ودقت في مسائله أنظارهم، بحيث أصبح كثير من الجهلة يعمل ويفتي بحسب ما يملي عليه هواه، استنادا إلى الاجتهاد المزعوم، حتى بلغ التنطع بكثير منهم إلى رد ما استقر عليه إجماع الأمة، وأطبق عليه السلف والخلف، وإنما يعاب على من أبصر الدليل وأدرك الحق إذا تعامى عن ذلك استسلاما لما ألفه من التقليد، والإفراط والتفريط كلاهما غير محمود، وإنما السلامة في الاعتدال، وهو يقتضي وجوب الاجتهاد على العلماء الذين بإمكانهم تمحيص الأدلة وجمع حصيلتها بعد المقارنة بينها، وعذر عوام الناس في حسن ظنهم بعلمائهم إذا لم يتبين لهم منهم باطل، أو ينووا متابعتهم على أي حال سواء أصابوا أم أخطأوا، فإن ذلك ليس بحسن ظن، وإنما هو من التعصب الممقوت.
-------------------------
1 )
سورة الأعراف الآية "33"