صاحب المنار يتحرر من التقليد
الجزء ٢ · صفحة ٢٣صاحب المنار يتحرر من التقليد:
هذا كلامه في هذه القاعدة، ولي وقفة معه قبل أن أوالي الاتيان بالقواعد التي أوردها، فهو إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا العلامة الكبير قد أزاح عن عينيه حجاب التقليد في هذه المسألة، وهو كثيرا ما حال بين الأبصار ورؤية الحق، وبين البصائر وفهم الحقيقة، وهذه القاعدة مهمة جدا لما يترتب على مثل هذه الأماني التي اغتر بها أهل الكتاب من قبل، من إهدار الحقوق، وإضاعة الواجبات، والانحراف الفكري والسلوكي، وهل جرأ اليهود على نبذ الكتاب الذي أوتوه وراء ظهورهم إلا هذا الاعتقاد، فقد أخبر الله بذلك، وهو أصدق القائلين، إذ قال: ( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون)(1) .
وقد أصيبت هذه الأمة بالداء الذي أصاب من قبلهم، فتعلق كثير منها بالأماني الفارغة التي أدت بهم إلى نبذ الكتاب الذي أوتوه، والاستهانة بالأمانة التي حملوها، ظنا منهم أن مجرد انتمائهم إلى الإسلام كاف في إسعادهم، ووقايتهم من العذاب، متعاملين عن بوارق الحجج، متصاممين عن قوارع النذر التي تدعو إلى الحذر من الاغترار بالأماني، والركون إليها، نحو قوله عز وجل: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا)(2) .
ولو أن جميع المسلمين سلكوا هذا المسلك في البحث، وارتقوا عن حضيض التقليد للأقوال العارية عن الأدلة، وأخذوا الدليل من فهم نصوص الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، لكان شأن الأمة اليوم خلاف ما نشاهدها عليه، ولعل الله يقيض من أعلام وقادة الإصلاح في الأمة الإسلامية من يأخذ بيدها نحو هذا المسلك السليم، وما ذلك على الله بعزيز.
القاعدة السابعة: أن شرط