حصر الجهاد في الدفاع عن الإسلام فكرة استشراقية
الجزء ٢ · صفحة ٤٠حصر الجهاد في الدفاع عن الإسلام فكرة استشراقية:
وأما في القاعدتين العشرين والحادية والعشرين، فقد أطلق القول بحرية الأديان وحصر الجهاد في بعض المصالح، ولم يذكر منها نشر دعوة الإسلام. ونحن نوافقه على أن الإسلام انتشر بالاقناع لا بالإكراه، فإنه دين الفطرة الذي لا ينبو عنه عقل سليم، ولا يصطدم مع طبع مستقيم، ووضوح حجته، ونصوص برهانه، وبساطة تعاليمه، وسماحة أحكامه كفيلة بإشعاع نوره على العقول المبصرة، ولكنا مع ذلك نرفض كل الرفض دعوى أن الجهاد في الإسلام محصور في الدفاع عنه، وحماية أتباعه وأوطانهم، فإن هذه فكرة استشراقية تلقاها كثير من المفكرين الإسلاميين بالقبول كرد فعل لما أشاعه المستشرقون السابقون من أن الإسلام دين إرهاب، وأنه فرض على الناس بالحديد والنار، وكان لهذه الفرية أثر بالغ في بلبلة الضعفاء من المسلمين، فحاولوا أن يجدوا ما يدفعون به عن دينهم وأنفسهم سوء الأحدوثة الناتج عن هذه الفرية، وبينما هم في هذا الاضطراب إذ طلع عليهم جماعة من دهاة المستشرقين، كتوماس أرنولد، صاحب كتاب " الدعوة إلى الإسلام" بفكرة معاكسة ملخصها أن الإسلام دين الحرية، لا يعارض أحدا في معتقده، ولا يمانع إنسانا مما يميل إليه طبعه، وتهواه نفسه، وهو دين مسالمة لا يأمر بالجهاد إلا لصد عدوان.
وما الهدف من ذلك إلا تجميد حركة الإسلام وإضعاف الدعوة إليه، ومع الأسف الشديد لقيت هذه الفكرة قبولا في الأوساط الإسلامية ورواجا في سوق الكتاب حتى صار من خالفها معرضا للنقد والاستخفاف، خصوصا عند تلامذة المستشرقين الذين يتقصمون الفقه في الدين وهم عُمي عنه أو متعامون، وقد أفضى الحال بأحد هؤلاء أنه ألقى محاضرة في الجهاد أمام حاكم بلاده وجم غفير من المستمعين، جاء فيها: إن الإسلام ما جاء إلا لتأمين حريات الناس في المعتقد والسلوك، وهو كلام يترتب عليه إلغاء