جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تنزيه القرآن الكريم عن المجادلات اللغوية والبلاغية

الجزء ٢ · صفحة ١٨٢

تنزيه القرآن الكريم عن المجادلات اللغوية والبلاغية:

وإني أرى جعل التفسير معرضا للمجادلات اللغوية وميدانا للمباريات البيانية، خروجا بهذا العلم الجليل عن حدوده المرسومة، واشتغالا بما لا داعي إليه فيه. وإنما ينبغي الاقتصار من ذلك على ما يجلي من الآية جوهر معناها، ويزيح الستار عن إعجاز مبناها.

أما الزيادة على ذلك فقد تفضي إلى تلاشي المقاصد الأساسية التي يجب أن ينحوها المفسر. فالقرآن أنزل لوصل النفوس ببارئها وصقل العقول من أصداء الشك حتى يتجلى لها العلم اليقين وتتخلص من وساوس الشيطان وتتطهر من أرجاس الطبع وتستقيم على صراط الله العزيز الحميد.

وأكثر التفاسير- مع الأسف- بعيدة عن رعاية هذه الأهداف بل ربما ظن قارئها أن يتلو كتابا في الإعراب أو في اللغة واشتقاقاتها أو في البلاغة وأساليبها، وهكذا.

وفي وسط هذه التيارات تتلاشى مقاصد التفسير الأساسية وهي إيضاح ما انبهم من هداية القرآن، وبيان موضع العبرة من قصصه وأمثاله، ومحط الحكمة من تشريعاته وأحكامه. وأدهى من ذلك حشو مؤلفات التفسير بمخلفات اليونان وغيرهم من الفلسفات العقيمة والأساطير القديمة. ولعمري إن ذلك ليس من تفسير القرآن في شيء، بل هو أحرى أن يكون تعتيما على هداه، وحجبا لحقائقه، نسأل الله العافية.

هذا، وقد علمت مما سبق اتحاد مرجع الإشارتين في الآية، ووجه تكرار اسم الإشارة للتنبيه على أن اختصاصهم بالهداية واختصاصهم بالفلاح، كل منهما جدير بالعناية، وحقيق بأن يستقل في التنويه به فلا يكون أحد الأمرين تابعا للآخر، ولذلك خص كل واحد منهما بجملة وإشارة.

وفي ذلك أيضا تنويه بالموصوفين أنهم جمعوا بين المنقبتين، واختصوا بكلتا المأثرتين، وعطفت الجملة اللاحقة على السابقة لأجل توسطهما بين كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، فإن كلا من الهدى والفلاح له مفهومه الخاص، وزمانه الخاص، إذ

٥١٩ / ١٬٢٢٠