المتقون مختصون بالهدى
الجزء ٢ · صفحة ١٧٨المتقون مختصون بالهدى:
والمشار إليه هو فريق المتقين، وقد سبق في كلامنا ما يفيد ترجيح أن جميع الصفات التي لحقتهم هي صفات جارية عليهم جميعا، إذ هم فريق واحد وليسوا بفريقين خلافا لمن قال ذلك اعتبارا لحالتهم قبل التلبس بالإيمان، وهم يوافقوننا أن الإشارة هنا- كالتي بعدها- يراد بها كلتا الطائفتين لأنهم جميعا متمكنون من الهدى ومنقلبون إلى الفلاح، وإنما شذ الإمام محمد عبده فقال بتعدد المشار إليه كما تعددت الإشارة، ورأيه مبني على ما تقدم نقله عنه من أن المهديين منقسمون إلى طائفتين؛ طائفة أخذت تبحث عن الحق وتحاول الوصول إليه وأخرى وصلت إليه فعلا.
فأولى الإشارتين إلى الطائفة الأولى، وثانيتهما إلى الأخرى. وعزز رأيه بما يدل عليه تنكير هدى من النوعية. فالطائفة الأولى - حسب رأيه - أصابوا ضربا من الهدى لتفتيشهم عن الصواب، وبحثهم عن الحقيقة، فقد آمنوا بالغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق في كلامه، وأنفقوا مما رزقهم الله، فهم متمكنون مما وصلوا إليه من الهدى، ومستبصرون في طريق البحث عن المزيد من أنواعه، وذلك وإن لم يكن كافيا لإسعادهم وفلاحهم، فهو كاف لإعدادهم، وتأهيلهم لهما بالإيمان التفصيلي المنزل، ولذلك قبلوا عندما بلغتهم دعوته.
ويرى الإمام أن الطائفة الثانية- وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مشاركة للطائفة الأولى في الهدى الذي وصلت إليه، وإنما زادت عليها بما انتهت إليه من الإيمان الكامل بالقرآن، وبسائر الكتب السماوية، ويقينهم بالآخرة، فهم أوسع منهم إيمانا، لأن إيمانهم بالغيب قد تجاوز حدود الإجمال إلى التفصيل، ولذلك كانت الإشارة إليهم متضمنة وعدهم بالفلاح في قوله: ( وأولئك هم المفلحون)، وعزز رأيه أيضا- في التغاير بين مرجع الإشارتين- بترك الضمير الفصل (هم) في الأولى وذكره في الثانية، وقال إن المشار إليه لو