جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

قسما النفاق

الجزء ٢ · صفحة ٢٢٦

قسمات وجوههم من شارات المكر وإشارات الزور، ولا يمنع ذلك أن تكون منهم جماعة مكشوفة بأعيانها كما يدل على ذلك حديث حذيفة- رضي الله عنه- ومن هؤلاء الذين تآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم على رأس العقبة عند عودته من تبوك بمحاولة إثارة دابته حتى يسقط عنها، وقد أخبر الله نبيه بشأنهم وكانوا أربعة عشر كما جاء به حديث حذيفة عند مسلم.

وقوله تعالى: " ومن الناس" شروع في الإخبار عن هذه الطائفة المتلوية والكشف عن صفاتها، وهو خبر مقدم على المبتدأ، وهو من، سواء قلنا إنها موصولة أو موصوفة، وقد استشكل اعتبار من الناس خبرا لأن الخبر ما تحصل به الفائدة، وكون هؤلاء من الناس ليس أمرا عازبا عن الأفهام حتى يحتاج إلى البيان، والكل يعرف أنهم ليسوا من الملائكة ولا الجن ولا البهائم، والنظر إلى ما بعد المبتدأ يقضي على هذا الإشكال، إذ ليس القصد الإخبار عن إنسانيتهم وإنما الإخبار عن وجود طائفة من الناس تتلون في حالاتها وتتلوى في معاملاتها تدعي الإيمان بألسنتها وتهدم ما تدعيه بأفعالها لأن أفئدتها فارغة من جوهر الإيمان، ويغنيكم هذا النظر عن كثير من التأويلات التي لجأ إليها المفسرون، كقول السيد الجرجاني بأن مضمون الجار والمجرور هنا مبتدأ على معنى وبعض الناس وخبره من موصولة كانت أو موصوفة وقول بعضهم بأن صفات هؤلاء لما كانت تنافي الإنسانية كانت حالهم جديرة بالاستغراب، وحسن أن يخبر عنهم بأنهم من الناس، ويرده وقوع مثل هذا التركيب حيث لا يتأتى مثل هذا الاعتبار كقوله تعالى: ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (4). وكقول بعض المفسرين بأن هؤلاء لسوء حالهم وفساد أخلاقهم حقيقون بأن يستحيى من ذكر أشخاصهم، فلذلك اكتفى سبحانه في الإخبار عنهم بقوله " ومن الناس"،ونحو ذلك ما جاء في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد التعريض ببعض الناس قال: " ما بال رجال يفعلون كذا…" والناس جمع إنسي- بكسر الهمزة

٥٦٢ / ١٬٢٢٠