تكملة تفسير الآية
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٧تكملة تفسير الآية
واختلف في قائلي " لا تفسدوا في الأرض" هل هو الله أو رسوله أو المؤمنون؟ ولا فارق بين أن يكون قائل ذلك هو الله أو رسوله، نظرا إلى أن الرسولصلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، أما القول الثالث- وهو أن قائله المؤمنون- فهو محمول على أن طائفة من المؤمنين كانت تكتشف خبايا المنافقين بما يكون بينهم من الاتصال بسبب قرابة أو صحبة، ولا يألون جهدا- عندما يكتشفون نفاقهم- أن يوجهوا إليهم النصح، ويحاولون تخليصهم مما هم فيه من الضلال راجين أن تجدي فيهم الموعظة ويؤثر فيه التذكير، وهذا القول مروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وروي مثله عن مقاتل، واعتمده العلامة ابن عاشور نظرا إلى أنه لو كان قائل ذلك هو الله أو رسوله لانكشف أمرهم وانهتك سرهم ولم يعودوا في طوايا الخفاء، ولو كان هذا الخطاب موجها إليهم إجمالا كما تتنزل مواعظ القرآن، لم يستقم جوابهم " إنما نحن مصلحون" لأن مثل هذا الجواب المقرون بالتأكيد لا يصدر إلا ممن خصص بالخطاب.
واستشكل كون طائفة من المؤمنين عرفت أشخاص المنافقين أو بعضهم واكتشف خبايا نفاقهم، ولا تكشف مع ذلك أمرهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر المؤمنين.
وأجيب عنه بجوابين:
أولهما: أن المكتشفين كانت بينهم وبين من اكتشفوهم صلة قربى تجعلهم يطمعون أن تجدي فيهم موعظتهم، ويؤثر فيهم تذكيرهم، فلذلك كانوا يؤثرون سترهم رجاء أن يتحولوا في يوم من الأيام عما هم فيه من الضلال، وإن كانوا أحيانا يشارفون اليأس من صلاحهم عندما يقرعونهم بمثل هذا الجواب الذي يستأصل كل طمع في ارتوائهم.
ثانيهما: أنه لا يبعد أن يكونوا قد كشفوا أمرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن المنافقين كانوا من الحذر على أنفسهم بحيث لا ينكشف أمرهم إلا مع الوحدان دون الجماعات، فلم تكن الحجة تقوم بهم عليهم، وهذا الجواب هو الذي يجب الاعتماد