جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تكملة تفسير الآية

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٣

منهج الإصلاح، وهذا لأن شأن الجملة الاسمية إفادة الثبوت والدوام، وأكدوا مرادهم بإنما المفيدة للقصر، كل ذلك لدرء ما وجه إليهم من تهمة الإفساد، والتنصل مما رموا به بسبب ما ينكشف منهم من بوادر السوء ويفيض على ألسنتهم أحيانا من عبارات تكن الحقد والكراهية، وهو معنى ما رواه ابن جرير في تفسير الآية عن مجاهد أن مرادهم بهذه الإجابة أنهم على الهدى مصلحون وثم أقوال أخرى للمفسرين:

منها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن مرادهم بهذا القول إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، ومعنى ذلك أنهم يريدون إرضاء الطائفتين والتقريب بين معتقداتهما وقيل إن الجواب يتضمن الاعتراف بما اتهموا به من موالاة الكفار وممالأتهم ولكنهم نفوا عن ذلك صفة الفساد زاعمين أنهم بما يأتون مصلحون لأنهم يرعون به قرابة ذوي القربى من الكفار المعاندين.

ويتبادر أن أصحاب هذا القول والذي قبله يستندون فيهما إلى ما يوحي به قوله عز وجل: ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا)(7)، ولعل أكثر المفسرين أميل إلى القول الأول، ويعتضد رأيهم بقوله سبحانه: ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء)(8)، وقوله( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)(9).

وفي تصدير جوابهم بأداة القصر تأكيد لما يزعمونه من الإصلاح فإنهم أرادوا معاكسة متهميهم بالإفساد بهذا القصر القلبي بحيث يوهمونهم أن الإصلاح متمحض فيهم، وأن شائبة من الإفساد لم تحم حولهم، فإن الذين اتهموهم إما أن يريدوا بقولهم لهم " لا تفسدوا في الأرض" لا يكن عملهم إفسادا من غير إصلاح، وإما أن يريدوا به لا تخلطوا بين الصالح والفاسد من الأعمال، فإن الفاسد يؤثر على الصالح فيفقده منفعته، فكان جوابهم يفيد أن أعمالهم كلها مقصورة على

٦٠٩ / ١٬٢٢٠