النفاق يزين الباطل ويقبح الحق
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٨النفاق يزين الباطل ويقبح الحق:
وعلى أي حال فإن هذا الوصف يصور لنا ما يصل إليه النفاق بأهله من تزيين الباطل وتمجيد ذويه بنصيحته ولا عجب فإن الحق من دلائل صدقه استهانة المبطلين به، وإن من علامات كمال الفضيلة في الإنسان، واتصافه بأرقى الصفات الإنسانية؛ استخفاف سفهاء الأحلام به، ورميهم إياه بالمذام والنقائض كما قال المتنبي:
وليس ما نشاهده ونسمعه في هذا العصر من سخرية المفسدين بالمصلحين واستخفافهم بحلومهم، ونبزهم بالألقاب الشائنة ولمزهم بالعبارات الجارحة، إلا امتدادا لأحوال قديمة دأب عليها أولو الفساد فكانت من علامتهم التي بها يعرفون.
ومجيء هذه النصيحة بعد ما قبلها لما في تلك من الحض على توقي الفساد، وما في هذه من الدعوة إلى التلبس بضده، وهو معنى ما قيل" التخلي قبل التحلي" فالنفس لا تتأهل لأن تكون وعاء للخير حتى تتطهر من أدران الشر، ولا يمكنها أن تتحلى بالفضائل المحمودة حتى تتخلى عن الرذائل المذمومة، وكيف يقرّ الإيمان في نفس لوثها الفساد، وألفت الشقاق والنفاق؟ اللهم إلا أن يتغير مسلكها، وتتبدل عاداتها فتكون كأنما أنشئت نشأة جديدة بعيدة عن تلك الطباع التي كانت عليها، والمفاسد التي أحاطت بها.
ويرى ابن عاشور في تفسيره أن ذكر الناس هنا جار على سنن كلام العرب عندما يريدون إغراء المخاطب بشيء، وحضه على المسارعة إليه، فإنهم يستخدمون كلمة الناس وسيلة لتنبيه المخاطب بأن من عداه من هذا الجنس قد سبقوه إلى هذا الفعل، فجدير به أن لا يتوانى في اللحاق بهم، ومثل ذلك استخدامهم لها إذا ما قصدوا التسلية أو الإئتساء كما في قول النهمي: