جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)(16)

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٣

للتنبيه على أنهم كانوا بصنيعهم يهدفون إلى مكاسب يبتغونها، ومنافع يتصورونها أجدى لهم من هداية الدين، ولما كانت تلك المنافع لا توازي شيئا بجانب ما افتقدوه من الهدى مع ما كان ينغصها عليهم من الخوف والحذر، نُفي عنهم الربح لعدم الاعتداد بها، ومن المعلوم أنهم أضاعوا رأسمالهم بهذا العسف، ففقدوا الطلبتين بقاء رأس المال وحصول الربح ولما كان انتفاء الربح مترتبا على الاشتراء عطف عليه بالفاء.

والتجارة هي صنعة التاجر والربح طلبته منها.

وبما أن إيثار الضلالة على الهدى ليس من الاهتداء في شيء اختار بعض المفسرين أن يكون قوله عز وجل من بعد ( وما كانوا مهتدين) نفيا للهدى اللغوي حتى لا يكون ذلك تكرارا مع ما في قوله ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى)، وهو معنى قول بعضهم وما كانوا مهتدين في هذا الخداع لأنهم رجوا فلاحهم، فخاب رجاؤهم بما تفشى من فضيحتهم عند الناس، ويحتمل أن يكون المراد بنفي الاهتداء أنهم ليسوا أهلا له بسبب ما طرأ على فطرتهم من الفساد وهذا أولى من حمل الألفاظ الشرعية على المفاهيم اللغوية التي نقلها عنها الشارع.

هذا ويرى بعضهم أن ما كان عليه المنافقون في الظاهر من نطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والتحلي بسائر خصال الإسلام ضرب من الهدى، فإذا رجحوا عليه ما في قرارة نفوسهم من عقيدة الكفر، فقد اشتروا الضلالة بالهدى، وهو رأي مردود إذ لا وزن للأعمال الظاهرة مع خلو الباطن من أصلها، وهو الإيمان بها، والإخلاص فيها، فالنطق بالشهادتين إن لم يكن صادرا عن عقيدة راسخة في النفس، لا زنة له عند الله ومثل ذلك جميع الأعمال كإقام الصلاة ة وإيتاء الزكاة.

وانتقد بعض المفسرين تفسير الهدى هنا بالفطرة لأن المنافقين كانوا مشتركين مع غيرهم في أصل هذه الفطرة، ثم اشتركوا مع المشركين الصرحاء في الانسلاخ منها، وإيثار الضلال عليها، ولقائل أن يقول بأن ذلك لا يمنع من وصف المنافقين بما وصفوا به؛ لأن

٦٣٩ / ١٬٢٢٠