جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧

الجمهور، وبه قال ترجمانا القرآن؛ ابن مسعود وابن عباس- رضي الله عنهم-.

وذهب الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن هذا المثل والذي بعده ليس مضربهما واحد، وإنما كل واحد منهما لفريق من اليهود والمنافقين وحاصل ما يقوله أن هذا المثل في قوم أكرمهم الله تعالى بهداية الدين، ودرج عليها سلفهم فجنوا ثمارها وصلحت أحوالهم، إذ استقاموا على طريقتها عندما كانوا يبصرون بنور من الوحي ويقفون عند حدود الشريعة، ثم جاء من بعدهم هؤلاء الأخلاف فانحرفوا عن تلك الطريقة إذ لم يبصروا الحقيقة، بل ظنوا أن ما كان عليه السلف من نعمة وسعادة أمر اختصوا به أو خير سيق إليهم لسبب امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم وإن كان ما استحقوا به هذه المزية أمرا شكليا لم يصل إلى سرائرهم فعدلوا عن الدين إلى تقاليد وعادات تمكنت في نفوسهم فلم تدع مجالا لغيرها، ولذلك لم يفكروا في الاعتصام بما اعتصم به سلفهم، ولم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى به من قبلهم لدعواهم أن فهمه خصت به طائفة من رؤساء الدين يؤخذ بأقوالهم إذا وجدوا وبكتبهم إذا فقدوا فمثل هذا الفريق المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الانتفاع بها بالمرة، وانطماس الصوى بينهما وبينه مثل من استوقد نارا…الخ، ووجه التمثيل أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند الله طالب بإيمانه أن توقد له نار يهتدي بها في سره ويستضيء بها في ظلمات اللبس، ويبصر بضوئها ما يصادفه من مخاطر الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بنور الهدى والرشاد وكاد بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد عادت إليه ظلمة التقليد وعصب عينيه شيطان الباطل لئلا يبصر ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة فانطفأ فيه نور الفطرة، وتعطلت مداركه فلم يبصر ما بين يديه، فإذا هو بمنزلة العمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.

وأما المثل الثاني وهو قوله ( أو كصيب من السماء)، فيراد به فريق آخر بقيت له نظرات

٦٤٣ / ١٬٢٢٠