جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أحوال المنافقين كلها ظلمات

الجزء ٢ · صفحة ٣١٧

أحوال المنافقين كلها ظلمات:

ذهب ابن عاشور أن جمع الظلمات في هذه الآية يشار به إلى أحوال المنافقين التي يصلح تشبيه كل منها بالظلمة، وهي الكفر والكذب والاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبعها من آثار النفاق المتنوعة، وذكر أن طي وجه الشبه في هذا التشبيه لأجل الاعتماد على فطنة السامع، فإنه يمكنه أن يستظهره من مجموع ما تقدم من شرح أحوالهم؛ ابتداء من قوله( ومن الناس من يقول آمنا....) الخ وما يتضمنه المثلان من الإشارة إلى وجوه المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة التي شبهوا بها، فإن إظهارهم الإيمان بقولهم " آمنا بالله" وقولهم " إنما نحن مصلحون" وقولهم عند لقاء المؤمنين " آمنا" أحوال ومظاهر حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما يتظاهرون بالإسلام، ويأتون بواجباته؛ كالصلاة والصدقة والصيام، ويصدر منهم طيب القول وقويم السلوك وتشرق عليهم الأنوار النبوية فيكاد نور الإيمان يخترق إلى قلوبهم، ولكن سرعان ما تنقلب تلك الحالة إلى نقيضها عندما ينفضون عن تلك المجالس، ويجتمعون ببطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم، فتعاودهم الأحوال الذميمة؛ من مزاولة الكفر وخداع المؤمنين، والحقد عليهم والاستهزاء بهم، ووصفهم بالسفه فهذا التظاهر وما تبعه من الانقلاب مثلا بحال الذي استوقد نار ثم ذهب عنه نورها.

وأتبع ذلك ابن عاشور أن من بدائع هذا التمثيل كونه- مع ما فيه من تركيب الهيئة المشبه بها ومقابلتها للهيئة المركبة من حالهم- قابلا لتحليله بتشبيهات مفردة لكل جزء من هيئة أحوالهم بجزء مفرد من الهيئة المشبه بها، فيشبه استماعهم القرآن باستيقاد النار، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق بالنار في إضاءة المسالك للسالكين، ويشبه رجوعهم إلى كفرهم بالظلمات ويشبهون بقوم انقطع إبصارهم.

ولم يذكر مفعول " لا يبصرون"

٦٥٣ / ١٬٢٢٠