الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٦الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق:
وضرب الأمثال أسلوب معروف عند العرب وعند غيرهم، ولكتاب الله سبحانه الحظ الأوفر منه، كيف لا وهو أعلى قدحا وأسمى غاية من أي كلام، فلذلك كانت أمثال القرآن أعرق الأمثال في البلاغة، وأدقها في التصوير، وأدلها على المقاصد، وقد قال تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يقلها إلا العالمون)(1)، وقال: ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)(2)، ومن فوائد الأمثال ترسيخ المعاني في الأذهان وتقريب الحقائق حتى تكون كالصور البارزة للعيان ومع ذلك ففيها إيجاز للقول بعد الإطناب، وإجمال بعد التفصيل، فإن المعاني إذا تقدمت في عبارات متفرقة ربما تتشتت في الذهن، فإذا جُمعت في الأمثال كان ذلك أدعى لأن تعيها الأذهان وترتسم في الأدمغة، على أن الوهم قد يكابر العقل في المعقولات، ولكنه أضعف من المكابرة في المحسوسات، فإذا أبرزت الحقائق المعنوية في معرص الصور المحسوسة كان ذلك أدعى لأن تتضاءل الأوهام وتتبدد الشبه، فتستسيغ العقول تلك الحقائق المجلوة بدون تردد ولذلك كثر ضرب الأمثال في معرض التفخيم والتحقير والتكثير والتقليل، والتهويل والتهوين والترغيب والترهيب.
وأصل المثل- بالتحريك- والمِثل- بكسر فسكون- والمَثِيل كالشبَه والشبْه والشبيه، دال على تشابه أمرين في وصف ومأخذه من مثل الشيء مثولا إذا انتصب، وإنما شاع المثل فيما إذا كانت المماثلة بين محسوس ومعقول أو بين محسوسين مركبين، ولفظة المثل موحية بالاستدلال على الممثل له بالممثل به، فإن نفس التمثيل دليل إمكان وجود المثل.
وما ذكرته من أن المثل إنما هو في المنافقين هو الذي يقتضيه السياق، وذهب قطب الأئمة- رحمه الله- إلى جواز أن يشمل معهم اليهود والمشركين، لأنهم طمسوا نور الفطرة بكفرهم، وذهب فريق من السلف إلى أن المثل في اليهود كما سيأتي، والأول هو الذي عليه