جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) (البقرة:الآية 30 )

الجزء ٣ · صفحة ٢

خلاله القصة، وبحسب ما يتلاءم مع هذا الجو، فقصة موسى عليه السلام مثلا عُرضت في سور شتى ولكن هذا العرض لم يأت على وتيرة واحدة، فتجدها تارة مطولة، وتارة مختصرة، وفي كل مرة يتميز العرض بفوائد شتى من جوانب القصة نفسها، ومن جانب العبر والعظات التي تمليها، وإذا علمت أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة واجه فيها تحديات المشركين العرب ومكر أهل الكتاب، ودسائس المنافقين، ومؤامرات الشعوب المختلفة أدركت السر في تعدد المقامات التي تستوجب ذكر القصة الواحدة إما للتذكير وإما لتفنيد المزاعم أو لغير ذلك من الأغراض.

وجميع القصص القرآنية تحكي أحداثا واقعة، وأحوالا متقدمة، وليست مسوقة لغرض الثمثيل فحسب – كما يجنح إلى ذلك بعض المتأخرين – فإن باب التمثيل معروف، وعندما يأتي في القرآن يأتي مقرونا بالقرائن اللفظية الدالة على قصده لتعميق المفاهيم في النفس، وترسيخ المعاني في الأذهان، فإن النفس- كما سبق – هي للمحسوس أَألف وبماهيته أعلم.

ولا توجد وثيقة تاريخية بشرية تحكي قصة بداية خلق الإنسان وتمكينه في الأرض، ولذلك كان الذين يعتمدون على أنفسهم في استلهام ذلك متُخبطين في متاهات حائرة سالكين طرائق قددا، لم تقم على مزاعمهم جحة، ولم تعززها قرينة، بل كثيرا ما يكشف الواقع العلمي عكس ما يقولون، وإنما المستند في ذلك إلى خبر الله تعالى الذي خلق الإنسان فسواه، ومن عليه فأعطاه، وهو العليم بكل شيء.

---

٧٨١ / ١٬٢٢٠