جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإنسان خليفة الله في الأرض

الجزء ٣ · صفحة ٦

الإنسان خليفة الله في الأرض

وارتباط الكلام هنا بما سبقه واضح، ذلك لأن فيها تقدم تذكيرا للإنسان بمختلف نعم الله الجُلى التي أفاضها على النوع الإنساني، ومنها خلق جميع ما في الأرض له، ثم الاستواء إلى السماء وتسويتهن سبع سماوات، وفي ذلك أيضا نعم لا تُحصى لأن الأرض مرتبطة بالأجرام السماوية برباط الجاذبية كما تقدم ، وبهذه التسوية أمكن للإنسان أن يستقر على الأرض، وأن يستمتع بمنافعها التي على ظهرها والتي في أعماق بطنها، وهذا التكريم الإلهي يترتب عليه ما ذكر هنا من تبوئة الإنسان لهذا المنصب الجليل، منصب الخلافة في الأرض الذي تحدثت عنه هذه الآية، وبعد هذه التوطئة الإجمالية لتفسيرها نأتي إلى تفصيل ألفاظها ومعانيها: -

( إذ) ظرف زماني دال على وقوع نسبة في الزمن الماضي مع وقوع نسبة أخرى ماضية أيضا، وذهب ابن قتيبة وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أنها في هذا الموضع وما يشبهه زائدة، وهي مجازفة من القول يجب أن لا يُصغى إليها في تفسير كتاب الله تعالى المنزه عن كل حشوٍ، فإن الزيادة لا تكون إلا في كلام الذين يعييهم ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب المعاني، فيأتون بالدخيل من القول لقصد تنميق الكلام وتزويقه، وهذا ما لا ينطبق أبدا على كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأصدقه وأحسن الحديث وأصحه، وقد أجاد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في رد هذا الزعم وتفنيد جميع شُبهه، وقد حذا حذوه معظم المفسرين حتى أن القرطبي حكى اتفاقهم عليه، كما أن جماعة من أئمة العربية قاموا بدورهم في الرد على هذه الدعوى، منهم الزجاج والنحاس غير أن مما يثير الاستغراب أن ينبري أحد أئمة التفسير في العصر الحديث يُعد في مقدمة مفسري هذا العصر معرفة بعلوم القرآن وأساليب البيان - وهو الإمام ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير - فيؤيد هذه الفكرة الواهية واقفا مع القائلين بزيادة

٧٨٥ / ١٬٢٢٠