جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مظاهر تكريم الله للإنسان

الجزء ٣ · صفحة ٣

مظاهر تكريم الله للإنسان

وطبيعة هذا الكائن وفطرته مغايرتان لطبائع وفطر جميع المخلوقات الأرضية وغيرها، فقد اختصه الله بمزايا متنوعة وفواضل مختلفة، يشير إليها قوله تعالى: ( ولَقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلا ) - الآية 70 سورة الاسراء.

ومن مظاهر هذا التكريم وأنواع هذه المزايا اختصاص الإنسان بقدرات متنوعة وملكات مختلفة هيأته للسيادة في الأرض ومكنته مما فيها من أنواع مخلوقات الله تعالى، ومن المعلوم أن من الحيوانات الأرضية ما هو أطول عمرا من الإنسان، وأقوى جسما، وأعظم حجما، وأكثر إقداما، غير أنها لم تستطع أن تسخره كما سخرها، وأن تنال منه ما نال منها، فقد سخر هو الفيل وغيره من الحيوانات الضخمة الجريئة، واستخدمها في مصالحه، وانتفاع أي حيوان بالأرض وما فيها انتفاع نسبي محدود بينما انتفاع الإنسان مطلق لا حدود له فهو ينتفع بالحيوانات البرية والبحرية، والنباتات المختلفة، والجمادات المتنوعة، والمعادن التي لا تحصى انتفاعا متنوعا، بحيث يستخدم الشيء الواحد في مصالح شتى.

ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات - وإن تعاقبت عليها القرون وتوالت عليها الأحقاب - لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها، بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإدارية، والصناعية، غيرها.. فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرماث البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسيما، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم،ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي

٧٨٢ / ١٬٢٢٠