الملائكة عباد معصومون
الجزء ٣ · صفحة ٢٩الملائكة عباد معصومون
والمحكي عن الملائكة لا ينافي عصمتهم لما سبق من أنهم لم يقولوه على سبيل الاعتراض ، ومما يستغرب ما نقله الألوسي عن الشعراني أنه نقل عن شيخه الخواص أن العصمة خاصة بملائكة السماء ، وعلله بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة بخلاف ملائكة الأرض فهم عنده غير معصومين ، ولذلك وقع إبليس فيما وقع فيه ،وهذا القول إنما هو صادر من ملائكة الأرض ، وهذه دعوى واهية ، إما أولا فإن الله عز وجل أثنى على ملائكته جميعا بقوله : ( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون ) ( الأنبياء : 26 - 27 ) ، وقوله : ( يسبحون الليل والنهار لا يفتُرون) ( الأنبياء : الآية 20 ) ، فدعوى خروج طائفة منهم عما يقتضيه هذا الوصف من العصمة ليس عليها شاهد ولا دليل ، وما هي إلا تحكم لعدم المخصص؛ وإما ثانيا فإن الذي يقتضيه سياق قصة آدم أن الخطاب ليس مقصورا على بعض الملائكة دون بعض فإن الله سبحانه ذكرهم بلفظ التعريف الدال على قصد الجنس وهو يوحي بالشمول ، ويتأكد ذلك بقوله سبحانه من بعد :
( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) - الآية 30 الحجر - حيث أكد الشمول الذي يفيده الجنس بمؤكدين وهما (( كل أجمعون)) ، ومن الظاهر جدا أن الملائكة المأمورين بالسجود لآدم هم المخاطبون أولا بنبأ الاستخلاف لأن السجود هو تكريم من الله له بعد أن أثبت سبحانه تفوق قدره على الملائكة بمعرفته الأسماء التي لم يعرفوها ، والأمر به مترتب على ما سبق من مقاولة في شأنه ، والقول بأن الملائكة الذي آذنهم الله بخبر الاستخلاف هم جميع أفراد الجنس الملكي هو قول أكثر المفسرين ، وقد خالفهم في ذلك جماعة منهم قطب الأئمة - رحمه الله - في الهيميان ، فقالوا إنهم ملائكة الأرض وحدهم ، وذكر الألوسي عن الصوفية أنهم خصوا هذا الخطاب بمن عدا العالين منهم ، وهم الذين استودعوا أسماء الله وصفاته