جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مظاهر الاستخلاف

الجزء ٣ · صفحة ١٥

مظاهر الاستخلاف

ومن مظاهر هذا الاستخلاف ما أوتيه الناس في هذه الدنيا من قوة التسخير لما في الأرض حسب منافعهم، وتطورهم في ابتكار الصناعات العجيبة، واستخدم الآلات الغريبة فيما يعود عليهم بالمنفعة ويزيد الأرض عمارة، وليس ذلك محصورا في المؤمنين وحدهم، بل نجد في عصرنا غيرهم أكثر براعة فيه وأرسخ قدما وأقوى يدا بسبب تخلف المسلمين عن اتباع مراشد دينهم، وتنفيذ أوامر ربهم، وهل من الممكن أن يقال مع ما نراه من التمكين لغير المسلمين إن الخلافة محصورة في المتقين الأبرار وحدهم؟ ومما يزيد ما قلته وضوحا أن هذا الرأي هو الذي يقتضي التناسب بين هذه الآية وما مر لم يكن للمؤمنين وحدهم، بل هو موجه بالأصالة إلى الكفار الذين نعى الله عليهم كفرهم مع وفرة آلائه عليهم وظهور آياته لهم.

ولا يستلزم الاستخلاف حلول الخليفة مكان من استخلفه بعد فناء المستخلف أو أنتقاله حتى يشكل أن يكون آدم وذريته خلفاء الله في أرضه مع الله تعالي الله عن الزمان والمكان، وعن مشابهة خلقه في أي صفة من صفاتهم ، بل يكفي في تحقق الاستخلاف تمكين المستخلف لخليفته من أمر لم يكن بإمكانه أن يتمكن منه بدونه، وإباحة التصرف له فيه تصرفا يستمد شرعيته من هذا التمكين.

وشعور الإنسان بأنه خليفة الله في أرضه يجعله يحس أولا بمكانته عند الله وعظم منته تعالى عليه، وثانيا بثقل حمله وعظم مسؤوليته، وهذا الشعور يستلزم تحرى مرضات الله تعالى في كل آمر واستلهام منهج الحياة منه سبحانه في الفعل والترك، والأخذ والرد، والعطاء والمنع، فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له من استخلفه، وأن لا يخرج عن إطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها ملكه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمنا من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيما وكلوا فيه وائتمنوا عليه

٧٩٤ / ١٬٢٢٠