مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ١٦بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حملهم هذه الأمانة، وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) – الآية 7 سورة الحديد، وقوله: ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) – الآية 33 سورة النور - .
ولئن قيل ما هي الفائدة من أعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غنى بواسع علمه عن آراء خلقه؟
فالجواب عن هذا السؤال أنه سبحانه أراد أولا تعريفهم بقيمة هذا النوع من الخلق، وفضله على من عداه بما اختصه الله تعالى به، ورفع ما عسى أن يحدث في صدورهم من الحيرة والاستغراب بسبب تكريم الله لهذا النوع بتبوئته هذا المقام، فإنهم لو فوجئوا بوجود الإنسان على عرش الخلافة مع ما يعلمونه في طبعه من النقص لكان ذلك داعيا إلى تراكم الاستغراب في صدورهم، واستيلاء الحيرة على عقولهم، فكان هذا الأعلام طريقا إلى دركهم حقيقة الأمر بعدما يحدث بينهم وبينه تعالى من سؤال وجواب، وأراد ثانيا تكريم ملائكته بعرض هذا الخبر عليهم في صورة الأستشارة منه لهم فهو تعليم في أطار التكريم، وفي هذا الإنباء سن للاستشارة بين الخلق، فإن الله جل شأنه – وهو العليم بطوايا الخفايا، والغني بكماله عن كل شيء – وجه هذا الخطاب إلى ملائكته كالمستشير لهم، فما بالكم بالمخلوقين، وكل أحد منهم متلبس بصفات النقص، لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها، كيف يستغني بعضهم عن استشارة بعض؟ ولعله لا يستبعد أن يكون الأمر كما قال ابن عاشور، واليكم نص كلامه:
(( وعندي أن هذه الاستشارة جُعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموسا أشربته نفوس ذريته، لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن، ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا