مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ١٨يختصمون ويطلبون البيان والبرهان في ما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها، وكون الكلام لا يزال في موضع الكتاب وكونه لا ريب فيه ، وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده ، وفي اختلاف الناس فيهما (1) وقد سبق ذكر وجه ارتباط هذه القصة بما سبقها من الآيات، وهو أن تكريم الإنسان بمنصب الخلافة في الأرض ينسجم ذكره مع ما سلف من تذكير الإنسان بآلاء الله الواسعة التي من بينها خلق جميع ما في الأرض له، وتسوية السماوات السبع بما أودع الله فيها من نظام يربط بها الأرض، وهذا الوجه في نظري أجدر بأن يُعتد به في مراعاة التناسب بين الآيات مما ذكره الإمام لوضوحه، وهو لا ينافي ما ذكره من كون الكلام لا يزال يدور حول رسالة الرسول وصدق الكتاب الذي أنزل عليه، وبعدما حكى الله قوله للملائكة حكى جوابهم له ومن المعلوم أن قولهم مترتب على قوله لهم غير أنه لم يوصل به بالفاء الترتيبية، وهذا الفصل – عند أكثر علماء التفسير – لأجل ملاحظة تساؤلِ من السامع، فعندما يسمع أحد حكاية هذا الإعلان الإلهي الموجه إلى عباده المكرمين فإن من شأنه أن يتطلع إلى ما يكون من جوابهم، فلسان حاله يقول كيف أجابوا ربهم، فيقال له : ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) – الآية 30 – البقرة – وخالفهم في ذلك ابن عاشور حيث قال : (( فصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات، وهي طريقة عربية، قال زهير :