مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ٢٠قيل هو تعجبي محض ، وذلك أنهم عجبوا من جعل الله في الأرض خليفة يمكن فيها وهو يفسد فيها ويسفك الدماء مع ما هم عليه من ملازمة عبادته تعالى بالتسبيح بحمده والتقديس له ، وذلك أنهم عليهم السلام تبادر لهم أن الحكمة تقتضي استخلاف من طبع بطبعهم لا النوع الذي رُكز في طبعه من الأسباب ما يدعوه إلى الفساد وأعطى من القوة في خلقه ما يمكنه منه ، وقيل إن الاستفهام على حقيقته ، وأنهم أرادوا به استجلاء ما خفي عليهم من حكمة الله سبحانه في هذا الأمر ، واستبعاد الشبهة التي خطرت لهم ، وذلك أنهم علموا أن أفعال الله كلها لا تخلو من الحكم ، فتطلعوا إلى حكمته في هذا الخبر الذي ألقاه إليهم ، ويبعد هذا القول قولهم من بعد ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ، وقيل
هو على بابه غير أنه أشرب معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق حكمة الله بذلك ، وعليه فقد كنوا بالاستفهام عما هم متلبسون به من الدهشة والاستغراب طالبين بذلك إزالتهما بما لا يدع لبسا في نفوسهم ، وقيل : إن الاستفهام على بابه والمراد به اكتناهُ حقيقة المجعول في الأرض خليفة هل هو جنس الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، أو من جنس المصلحين ، وعليه فالمعادل محذوف تقديره أم من يصلح فيها ، ويرد هذا القول أيضا ما حكاه الله عنهم من بعد من قولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) – الآية 30 – البقرة – وقيل : إن الاستفهام واقع على قولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) أي هل نحن نبقى على هذا التسبيح والتقديس مع وجود خليفة في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء ، أو ننتقل عن حالتنا هذه إلى حالة أخرى، والتكلف فيه ظاهر ، ودخول الاستفهام على الجعل دليل على أنه هو المستفهم عنه دون غيره ، وأعدل هذه الأقوال أن الاستفهام على بابه وإنما أشرب معنى التعجب ، ومثله وارد في كلام العرب وهو لا ينافي عصمة الملائكة من الزلل ، فإنما كان هذا الاستفهام منهم بعد خطاب الله لهم الذي آذنهم فيه بأنه