جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الملائكة عباد معصومون

الجزء ٣ · صفحة ٣٠

فهاموا بها وحدها ولم يشعروا بما سواها ، وحملوا على ذلك قوله تعالى لإبليس : ( استكبرت أم كنت من العالين ) – الآية 75 ص – وذلك لأن العالين عندهم غير داخلين في هذا الخطاب ولا مكلفين بالسجود وهو تأويل بعيد عن الصواب لا يصلح أن يحمل عليه كلام الله تعالى الذي أنزله بلسان عربي مبين ، وقول الجمهور هو الصحيح لأنه المفهوم من صيغة الكلام .

ويستفاد من رد الله على الملائكة بقوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) وجوب الانقياد التام لجميع أوامر الله من غير أن تعرض على العقول المخلوقة ، فإن علم الله محيط بكل شيء وحكمته تسمو على أفكار الخلق ، والعقل لا يمكن له أن يحيط بدقائق الأمور، فإن مثله مثل البصر الذي تحول الحوائل بينه وبين إبصار ما وراءها ، وإذا كانت الحواجز الحسية تمنع العين عن إدراك المبصرات فإن الحواجز المعنوية الكثيفة هي أيضا مانعة للعقل عن الوصول إلى فهم كثير من الحقائق ، وكل طاقة في المخلوق محدودة بقدره بما في ذلك الطاقة العقلية على أن العقل كثيرا ما يتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية فتكدر صفوه وتحجب شعاعه ، فمن المؤثرات النفسية ما جبلت عليه النفس من الغضب والشهوة ، فكم من عاقل تأجج في نفسه الغضب فدفعه إلى ارتكاب ما يجعله يعض من بعد على بنان الندم طول حياته ، وكم من عقل كبل بأسر شهوات النفس فلم يستطع الفكاك منها ، ومن أهم المؤثرات الاجتماعية البيئة فإنها ذات أثر كبير على من ينشأ فيها ويتربى في محيطها ، ولذلك تختلف أفكار الناس استحسانا واستهجاناً بحسب اختلاف بيئاتهم ، بحيث تجد أمرا يُعد عند أهل بيئة من أحسن الأمور ، بينما يعد عند غيرهم من أقبحها ، والكل معدودون في العقلاء ، ولذلك كان الواجب الاحتكام إلى الشرع المنزل من السماء لا إلى عقول الناس المتغيرة الأطوار المختلفة الأحوال .

والمؤمن عندما يسمع خطاب الله الموجه إليه بأمر أو نهي لا يملك إلا أن يسلم تسليما ويتهم عقله إن وجده

٨٠٩ / ١٬٢٢٠