( ب ) ترجيح القول بوجوب الجماعة على الأعيان وأدلته
الجزء ٣ · صفحة ١٧٥والحاكم وابن خزيمة عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: ( لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ) فقام ابن أم مكتوم فقال: إني كبير شاسع الدار، ليس لي قائد يلائمني فهل تجد لي من رخصة؟ قال: ( تسمع النداء ) ؟ قلت: نعم، قال: ( ما أجد لك رخصة ) ، وفي رواية عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم أتى المسجد فوجد في القوم رقة، فقال: ( إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه )، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا ولا أقدر على قائدٍ كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ فقال: ( أتسمع إقامة الصلاة؟ )، قال: نعم. قال: ( فأتها )، وفي رواية لابن حبان ( فأتها ولو حبوا ) وروى حديث ابن أم مكتوم أبو داود وابن ماجة والطبراني، وهو يستفاد منه أمران:
أولهما: أن الصلاة التي توعد من أجلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما توعدهم به لم تكن جمعة.
ثانيهما: صحة القول بوجوب الجماعة على الأعيان وذلك من تصريح النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه لا يجد رخصة أن يصلي في بيته مع ما اعتذر به من كبره وعماه، وعدم توفر القائد الملائم له، إلى غير ذلك من المعاذير التي تناقلتها الروايات المختلفة عنه، ولو كانت الجماعة وجوبها على الكفاية لما اشتد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرح له بعدم وجود الرخصة مع وفرة المؤمنين الذين كانوا يحضرونها، ولو كانت سنة لكان الأمر أهو من ذلك وقد أخرج قصته – من غير تصريح باسمه – مسلم والنسائي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.
ويعتضد القول بالوجوب بحديث ابن عباس عند ابن ماجة والدارقطني، وابن حبان والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر ) ، ولفظ ابن حبان: ( لم يقبل الله صلاة