جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٠

مخصصا لها فإن ذلك إنما هو في قوم وفّوا بما عليهم منه واجب واحترزوا من المهلكات وتداركوا أمرهم بالتوبة والإقلاع عن مساخط الله تعالى، فليست الشفاعة دارئة عنهم عقابا استحقوه، وإنما غاية ما في الشفاعة لهم طلب أن يزيدهم الله فضلا على فضله الذي آتاهم من قبل أما في هذه الآية وأمثالها فهي ناصة على أن كل أحد مجزي بحسب ما عمل، فلا تدرأ الشفاعة عن أحد عقابا استحقه، ولذلك صدرت بالأمر باتقاء ذلك اليوم.

هذا وأجاب صاحب الانتصاف – منتصرا للقول بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر – بأن ليس في الآية دليل لمنكريها لأن قوله ( يوما ) أخرجه منكرا ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى: ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون )(5) ، مع قوله: ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون )(6) فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين متغايرين أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة(7) .

وقد أُعجب بهذا الجواب كثير من المفسرين وعدوه حجة ساطعة تتلاشى أمامها شبهات المعاندين، وما هو – لعمري – إلا ( كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً )(8) ، فيوم القيامة يوم واحد إذ لا يعقب نهاره ليل ولم يأت أبدا في الكتاب والسنة ما يدل على أنه أيام متعددة.

ولو كان – كما قال – أياما منها ما تقبل فيه الشفاعة، ومنها ما لا تقبل لما كان لهذا التحذير في هذه الآية وأمثالها معنى للطمأنينة كل أحد أنه إذا لم يدرك الشفاعة في يوم أدركها في آخر، فلم القلق والحذر؟ ونحن نسلم أن ذلك اليوم تتعدد فيه المواقف ولكن لا نسلك أم موقفا من تلك المواقف يكون فيه ما نفاه الله عنه من جدوى الشفاعة لمن لم يعمل صالحا، ولو كان الأمر كما قال لزم

٩٩٥ / ١٬٢٢٠