كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

<246> بأسرها؛ لأَنَّ الناس كانوا في أَوَّل خلافة عثمان عَلَى دين واحد مصوِّبين له، دائنين بطاعته، إلى أن ظهرت منه أحداث أنكروها عَلَيْهِ جميعا، فاستتابوه منها فتاب، ثُمَّ لم يوف، فاستتابوه فتاب، فَلَمَّا اتَّهموه بالخداع وَقِلَّة الوفاء فيما يعطيهم صار عندهم بغير المنزلة التي استجازوا تقديمه عَلَيْهَا، وهي العدالة وارتفاع الريبة؛ فَلَمَّا وقع الريب انحطَّت درجته، فَلَمَّا انحطَّت درجته وجب عَلَيْهِم فيما بينهم وبين الله بعد أن شهر ذَلِكَ منه ألاَّ يَدَعوه، فهم يقدرون عَلَى عزله حَتَّى لا يكون عَلَى الأُمَّة إماما ليس بمأمون عَلَى دينه، فكان الواجب عَلَيْهِ حينئذ إن صدق في التوبة بعد أن أخلفهم خلفا أزال إمامته وعدالته من قلوبهم أن يسعفهم إلى الاعتزال، وإن لم يفعل وَاسْتَمَرَّ جاز لهم محاربته، فَكُلُّ من حاربه بعد تلك الحال هو عَلَيْهِ حجَّة. وليس كما زعم من لم يصب الحقَّ وتعسَّف الحكم فقال: إِنَّمَا قاتلوه محقِّين لِترْكِ المهاجرين والأنصار الإنكار عَلَيْهِم، فَهَذَا ما أجمل القول فيه ولم يكشف، فَأَمَّا كشفه فنتبيَّن به باطل هَذَا القول. وَذَلِكَ أَنَّ عثمان لا يخلو عند محاربة الخارجين عليه من إحدى منزلتين: إِمَّا أن يكون كما ذكرناه من قصته، شاهرا في مملكته أو غير شاهر، فإن كان ذَلِكَ شاهرا فَكُلُّ قائم عَلَيْهِ حجَّة، وَكُلُّ محارب معه لاحقٌ بحكمه، وَكُلُّ واقف عنه فحكمه حكم اعتقاده من تصويب أو تخطئة، ولا عذر في الشكِّ هنالك؛ لأَنَّ الإمام إِمَّا واجب الطاعة بالدين، وَإِمَّا مخلوع الطاعة بالدين، فمن ضعف عن ذَلِكَ فلا سلامة له بدون ولاية المحقِّين من المسلمين كانوا عَلَيْهِ عَلَى باطله أو عنده عَلَى حقِّه، وفي هَذِهِ الحال لا يكون محقًّا بترك النكير عَلَيْهِ، ويكون الخارج عَلَيْهِ محقًّا بترك النكير عَلَيْهِ؛ لأَنَّ المنكِر عَلَيْهِ منكر للظاهر والشاهر.

وإن كان ذَلِكَ غير شاهر فلا يجوز عزله ولا محاربته، فَمَن عَزَلَه أو حاربه فهو مبطل فلا يكون محقًّا، أنكر عَلَيْهِ الإمام أو الأعلام أو لم ينكروا. وَعَلَى هَذِهِ الصفة كان اختلاف أهل عُمان في الخارجين عَلَى الصلت، فجعل بعض الشاهرين ترك الصلت للنكير حجَّة للخارجين، وأبى ذَلِكَ المسلمون وقالوا: كان يجب للصلت إظهار النكير عَلَيْهِم، فضلا عن التسليم لهم، فإذا لم يفعل طالبوه بالتوبة؛ حَتَّى إِنَّ بعضهم لم يتولَّه حَتَّى استتابه، فَهَذِهِ منزلة لا يصوِّبها ترك النكير ولا يبطلها، فَهَذَانِ حالاَ عثمان لا يخلو من أحدهما، فَلَمَّا حاربوه وقع الاختلاف فيه عَلَى ثلاث فرق:

- فرقة قالت: قُتل عثمان مظلوما من غير إنكار للحداثة، بل ادَّعَى جوازها له، وبرئوا من قاتليه وَمِمَّن صوَّبهم وخطَّؤوهم عَلَى ذَلِكَ؛ فَهَذِهِ هي العثمانيَّة. وَهَذِهِ فرقة قد برئت من بعض المهاجرين والأنصار.

- وفرقة برئت منه عَلَى امتناعه عَلَى الاعتزال ومحاربته للمنكرين عَلَيْهِ

٣٠ / ٥٣