باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧<247> وصوَّبوا القاتلين له، وهي فرقة أَيضًا برئت من بعض المهاجرين والأنصار.
- وفرقة ثالثة وقفت عن الجميع، وهم الشكَّاك؛ لأَنَّهم ليس لهم ترك اليقين من ولاية عثمان إِلاَّ بيقين، وبعد اليقين يجب الخروج إلى ضِدِّه من اليقين من تصويبه إلى تخطئته، فالتهمة للإمام في دينه عزل باليقين، فَهَذِهِ الفرقة أَيضًا قد وقفت عن الحكم الذي ذكره المعارض.
فقد اجتمعت هَذِهِ الفرق الثلاث عَلَى البراءة من المهاجرين والأنصار والوقوف عنهم، فَهَذِهِ المعارضة في حكم هَذَا الخطاب بالعموم، وقد خرجت منه الأُمَّة إذ ذاك. ولا رابعة علمناها تولتهم جميعا فافهم ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة خروجًا من طاعة عليٍّ ومحاربةً له، لا أعلمهم كانوا غير فريقين. وَكَذَلِكَ في حرب صفِّين بين عليٍّ ومعاوية. وحرب أهل النهر لم أعلم أَنَّ الناس كانوا فيها غير فريقين: فريق صوَّب عليًّا إلى أن رجع إلى الحكومة، وتبرَّأ من معاوية وأتباعه. وفريق خطَّأ عليًّا.
فَلَمَّا رجع إلى الحكومة وثبت المسلمون عَلَى حرب أهل البغي، وخطؤوا التحكيم صار الناس أَيضًا فريقين لا ثالث نعلمه:
- فريق صوَّب عليًّا وأنزل له العذر أَنَّهُ إِنَّمَا اجتهد فيما يرجو فيه صلاحا واتقاء عَلَى الناس؛ لأَنَّ القتل أسرع فيهم؛ فَلَمَّا أخذ له بعض عسكره وخوف الاستئصال رجع إلى الحكومة، وسوَّغوا له ذَلِكَ.
- وفريق ثبتوا عَلَى حرب معاوية، احتجاجا بقول الله تَعَالىَ: ﴿فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ﴾ [سورة الحجرات: 9]، قالوا: فلا غاية لِذَلِكَ، فإذا خاف الاستئصال فأرخصُ مَا لَهُ أن يعتزل بمن معه عَلَى طلب الناصر لا عَلَى الإهمال والترك لدينه (1) الذي حارب عَلَيْهِ، فَلَمَّا أبى إِلاَّ الحكومة فارقوه صار هو ومعاوية حربا لهم، فخرج إِلَيْهِم عليٌّ عَلَى ما قيل فقتلهم، وفيهم عَامَّة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، عَلَى ما وجدت في سير الأوائل.
منهم حرقوص بن زهير الذي قيل: قال له رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثة أَيَّام: «أوَّل من يدخل من هَذَا الباب لَرجلٌ من أهل الجَنَّة»، كُلُّ ذَلِكَ يدخل منه حرقوص بن زهير. وهو الذي دفن دنيال - عليه السلام -، وكان دنيال سأل رَبَّهُ أن يدخله قبره رجل من أهل الجَنَّة، فلم يزل كما بلغنا في تابوت في أيدي ضُلاَّل أهل الكِتَاب يستسقون به إذا أمسك عنهم الغيث، حَتَّى فتح أبو موسى الأشعري السرير فوجدوه كما زعموا في تابوت، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إِلَيْهِ زعموا أن أمر بدفنه ولا يشعرنَّ به أحد، فبعث أبو موسى حرقوصا حَتَّى دفنه، فوجد في التابوت حلَّة فكساها عمر حرقوصا. وبلغنا أَنَّ أبا موسى سأل عن حرقوص بعد ذَلِكَ ما فعل؟ فقالوا: قتل في أهل النهر، فقال: والذي نفس أبي موسى بيده، لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذي طعن به حرقوص لدخلوا النار كلُّهم.
وقتل فيهم أبو كعب في نفر من بني حطمة.
(1) ليس المقصود بترك الدين الخروج من الملَّة، أو الارتداد، وإنَّما ترك ما دان به، أي اعتقده صوابا. وهذا ما نجده في أغلب كتابات الإباضيَّة التي اطَّلعتُ عليها.