كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٨

<248> وقتل فيهم أبو توما صاحب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في نفر من أهل بدر. وبقيَّتهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقهاء الناس وأخيارهم، وهم عَلَى حجَّة الله وبيانه. وَإِنَّمَا كرهوا أن يتركوا حكم الله إلى حكم البشر، ولاسيما إلى حكم عمرو بن العاص، وهو المحارب للمسلمين الخارج من طاعتهم.

فَهَذِهِ الفرق بجملتها، كُلُّ فرقة عَلَى حيالها تخطئ بعض المهاجرين والأنصار، ولا أعلم فرقة صوَّبت الجميع، فتكون حاكمة بهذا الحكم، فأنَّى المخطئ إذًا؟ فعثمان برئ منه وهو مهاجر، وبرئ من عليٍّ وأصحابه وهو مهاجر، وبرئ من معاوية وأصحابه ومن أهل النهر وأصحابهم، وفيهم المهاجرين [كذا]، فَهَؤُلاَءِ كُلُّهُم جميعا قَدْ برئوا من بعض المهاجرين، ولا أعلم فريقا صوَّب الجميع في ذَلِكَ الأوان، فالآن كُلُّهُم كانوا مخطئين، فمَن المحقُّ هنالك؟.

فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ثَمَّ من صوَّبهم جميعا ولم يُعرف بعينه؟.

قيل له: فَهَذَا إذَا لم يُعرف لم يكن حجَّة، والحجَّة لا تكون إِلاَّ ظاهرة يعرفها من تكون حجَّة عَلَيْهِ ولو لم يعرف أَنَّهَا حجَّة إذا كانت شواهدها ظاهرة فلا تخلو الأرض من ذَلِكَ أبدًا، فَهَذَا يستحيل في الدين، وتبطل هَذِهِ المعارضة، وهي من أقوى الحجج عَلَى دفع ذَلِكَ.

فإن قال: أليس في الأُمَّة اليوم من يصوِّب ذَلِكَ جميعا؟

قيل له: إذا أتى عَلَى الناس وقت من الدهر لا يكون فيه قائم بدين الله ظاهرًا معروفًا، قويًّا أو ضعيفًا، لا ينفع اليوم من قام له في استحالة الحكم المطلوب، لعدم من قام به، وَهَذَا ما لا يَصِحُّ. وَأَمَّا من يقول الآن به فلا أعلم أحدا يصوِّب عليًّا ومن شايعه، وأهل النهر ومن شايعهم، ولو صَحَّ ذَلِكَ من أحد كالمرجئة والحشويَّة فَإِنَّهُم ضالُّون ببعض ما خالفوا فيه من الدينونة بطاعة الجبابرة والرؤية وخروج أهل النار، وما أشبه ذَلِكَ، فإذا لم يكن في الأُمَّة مصيب في هَذَا الحكم إِلاَّ هَؤُلاَءِ الضُّلاَّل فإذًا الأُمَّة جميعا مخطئة، وَهَذَا باطل لا يستقيم، فاعتبره تجده أقوى دَلِيلاً، وأوضح سبيلا.

فإن قال المعارض: إِنَّهُ هو المحقُّ لأَنَّهُ خالف كُلَّ فرقة فيما ضَلَّت به.

قلنا: الحجَّة لا تكون إِلاَّ متَّبِعة سبيل من سبقه، فمن سبقك إلى هَذَا فاتَّبعته؟. فلا يجد أحدا إِلاَّ التعلُّق بمن لا يعرفه من الأمم.

فإن قال: ما تنكر أن يكون هَذَا المحقُّ اهتدى من أَدِلَّة القرآن إلى ما لا يعرفه غيره؟

قلنا: هَذَا محال، أن تكون الأُمَّة اجتمعت عَلَى جهل حكم من كِتَاب الله لازم حَتَّى أبصره غيرهم بعدهم في حادثة قد وقعت، فَإِنَّهُ لا يخلو ذَلِكَ الحكم أن يكون دينا أو رأيا:

- فإن كان دينا فلا يمكن أن تجهله الأُمَّة كُلُّهَا، والحادثة داعية إلى الحكم فيها بِحَقٍّ أو باطل، وهل أَظْهَرُ من كِتَاب الله تَعَالىَ وأوضح وألزم؟ لاسيما في المهاجرين والأنصار، فكيف يجهلون خطر أنفسهم؟ بل كيف تخفى عليهم حقيقة أنفسهم؟ نسأل الله الهداية.

- وإن كان حكم الحادثة رأيا فَذَلِكَ لا ضلال في مخالفته، وليس الكلام في الرأي، فحدوث محقٍّ يخالف الأُمَّة في حكم بالدين محالٌ، لاستحالة عَدَمِ محقٍّ في الأُمَّة، وَهَذَا ظاهر الحكم منكشف القناع. وقد أتينا بفضل الله وعونه عَلَى

٣٢ / ٥٣