شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الكتاب الثاني والعشرون في الأفعال المنجية من المهلكة

الجزء ٣٢ · صفحة ١٠

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ أَيْ مِنْ الْهَلَاكِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ شَاذٌّ قِيَاسًا حَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ هَاءُ التَّأْنِيثِ ، وَقِيلَ : بِقِيَاسِهِ لِكَثْرَةِ مَا وَرَدَ مِنْهُ بِالتَّاءِ ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهَا ، لَا خُصُوصَ الْمُنْجِيَةِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ ، إلَّا أَنَّ مُرَاعَاتَهَا سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ ، وَأَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ التَّرْكَ كَتَرْكِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَإِنَّ تَرْكَ الْفِعْلِ يُسَمَّى فِعْلًا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إثْمًا ﴾ وَقَوْلِهِ : ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إثْمًا ﴾ وَقَوْلِهِ : ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ وقَوْله تَعَالَى : ﴿ يَكْسِبُونَ ﴾ وَقَوْلِهِ : ﴿ كَسَبُوا ﴾ وَقَوْلِهِ : ﴿ كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ تَرْكَ الْفَرْضِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْحَجِّ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ ، وَسُمِّيَ تَرْكُ النَّهْيِ صُنْعًا فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ فِي بَابِ : نَوَاقِضِ الصَّلَاةِ مِرَارًا : أَنَّ السُّكُوتَ فِعْلٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا لِضِدِّهِ سُمِّيَ فِعْلًا كَتَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِهَا أَوْ سُكُونٌ ، وَالسُّكُونُ لُبْثٌ وَهُوَ فِعْلٌ ، فَإِنَّ كُلَّ سَكْنَةٍ دَقِيقَةٍ غَايَةَ الدِّقَّةِ هِيَ عَلَى حِدَّتِهَا عَرَضٌ فَهِيَ فِعْلٌ لِأَنَّهُ عَرَضٌ صَدَرَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ، وَالْجِسْمُ لَا يَفْعَلُ جِسْمًا بَلْ يَفْعَلُ عَرَضًا .

قُلْتُ : إذَا أَحَبَّتْ نَفْسُكَ شَيْئًا فَتَرَكْتَهُ فَتَرْكُكَهُ فِعْلٌ لِأَنَّكَ جَبَذْتَهَا عَنْهُ وَأَعْرَضْتَ عَنْ فِعْلِهِ ، وَفِي السُّؤَالَاتِ : أَفْعَالُ الْعِبَادِ حَرَكَةٌ وَسُكُونٌ مِنْ سُؤَالِ 84 ، وَقِيلَ : لَا يُسَمَّى التَّرْكُ فِعْلًا ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ تَرْكَ اللَّهِ فِعْلٌ تَارَةً وَغَيْرُهُ أُخْرَى ، فَتَرْكُهُ إذْلَالَنَا

١٥٬٥١٠ / ١٧٬٤٣٨