شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله

الجزء ٣٢ · صفحة ٣٣

فَصْلٌ فِي الْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ وَبُغْضِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَحُبِّ الْحَمْدِ وَالشَّرَفِ وَالْعُجْبِ وَالْمُدَارَاةِ ( مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ) أَنَّهُ ذَنْبٌ ( الْكِبْرُ وَهُوَ فِي حَقِّ مَوْلَانَا ) عَزَّ وَجَلَّ ( الْعَظَمَةُ ) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ وَقَالَ : ﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ ﴾ ، وَعَظَمَتُهُ تَعَالَى اسْتِحْقَاقُهُ لِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَتَقَدُّسُهُ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ ؛ وَهُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ وَاجِبٌ كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَحَقٌّ وَصِدْقٌ لِوُجُودِ مِنَّةِ الْعَظَمَةِ فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْخَلْقِ مَذْمُومٌ حَرَامٌ بَاطِلٌ غَيْرُ صِدْقٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ مَحَلُّ النَّقْصِ ، فَمَنْ تَكَبَّرَ تَكَلَّفَ أَنْ يَتَّصِفَ بِغَيْرِ صِفَتِهِ وَمَنْ عَرَفَ عُلُوَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكِبْرِيَاءَهُ لَازَمَ طَرِيقَ التَّوَاضُعِ وَسَلَكَ سَبِيلَ التَّذَلُّلِ وَقَدْ قِيلَ : هَتَكَ سِتْرَهُ مَنْ جَاوَزَ قَدْرَهُ وَرُوِيَ أَنَّ أَمِيرًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَحْضَرَ الثَّمَنَ فَلَمَّا نَظَرَ الْأَمِيرُ إلَيْهَا اسْتَكْثَرَهُ فَقَالَ : إنَّ اشْتِرَائِي مَمْلُوكَةً بِهَذَا الثَّمَنِ إسْرَافٌ ، فَقَالَتْ الْجَارِيَةُ : اشْتَرِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ فِي مِائَةَ خَصْلَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ .

فَقَالَتْ : أَدْنَاهَا أَنَّكَ إنْ اشْتَرَيْتَنِي وَقَدَّمْتَنِي عَلَى جَمِيعِ عَبِيدِكَ لَمْ أَغْلَطْ فِي نَفْسِي وَعَلِمْتُ أَنِّي مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا ؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنَّ ابْنَكَ اتَّخَذَ خَاتَمًا اشْتَرَى بِهِ فَصًّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ فَصًّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبِعْهُ وَأَشْبِعْ بِهِ أَلْفَ جَائِعٍ ، وَاِتَّخِذْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ صِينِيٍّ وَاكْتُبْ عَلَيْهِ : رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ .

وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْفَقِيرَ فِي خَلَقِهِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي جَدِيدِ غَيْرِهِ ؛ وَقَدْ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَتَعَزَّزُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ

١٥٬٥٣٣ / ١٧٬٤٣٨