فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٧٤وَاعْلَمْ أَنَّ عَاقِبَةَ الرِّيَاءِ أَشَدُّ عَقَبَةً وَأَضَرُّهَا إذْ تَنْتَهِي إلَيْهَا ثَمَرَةُ سَائِرِ الْعَقَبَاتِ فَإِنْ سَلِمَتْ غَنِمْتَ وَرَبِحْتَ ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى ضَاعَ السَّعْيُ كُلُّهُ وَخَابَ الْأَصْلُ وَبَطَلَ الْعَمَلُ وَمَجَارِي الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ فِي الْأَعْمَالِ دَقِيقَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَنْتَبِهُ لَهَا إلَّا كُلُّ نِحْرِيرٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ ، بَصِيرٍ يَقْظَانِ الْقَلْبِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَلَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ عُلَمَاءِ نَيْسَابُورَ يَحْكِي أَنَّ عَطَاءً السُّلَمِيُّ نَسَجَ ثَوْبًا وَأَحْكَمَهُ وَأَحْسَنَهُ جِدًّا ثُمَّ حَمَلَهُ إلَى السُّوقِ فَعَرَضَهُ فَاسْتَرْخَصَهُ الْبَزَّازُ وَقَالَ : إنَّ فِيهِ عُيُوبًا كَثِيرَةً كَيْتَ وَكَيْتَ فَأَخَذَهُ فَجَلَسَ يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَنَدِمَ الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَعْتَذِرُ وَيَبْذُلُ لَهُ فِيهِ مَا يَزِيدُ ، فَقَالَ عَطَاءٌ : لَيْسَ ذَلِكَ مَا تَظُنُّ أَنِّي اجْتَهَدْتُ فِي إحْكَامِهِ وَتَحْسِينِهِ حَتَّى لَا يُوجَدَ فِيهِ عَيْبٌ ، فَلَمَّا عُرِضَ عَلَى الْبَصِيرِ بِعُيُوبِهِ أَظْهَرَ فِيهِ عُيُوبًا غَفَلْتُ عَنْهَا فَكَيْفَ أَعْمَالُنَا إذَا عُرِضَتْ عَلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : وَعَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ : كُنْتُ لَيْلَةً وَقْتَ السَّحَرِ فِي غُرْفَةٍ لِي شَارِعَةٍ أَقْرَأُ " طَه " فَلَمَّا خَتَمْتُهَا غَفَوْتُ فَرَأَيْتُ شَخْصًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ بِيَدِهِ صَحِيفَةٌ نَشَرَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَفِيهَا سُورَةُ طَه تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ مُثْبَتَةٍ إلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً رَأَيْتُ مَكَانَهَا مَحْوًا وَلَمْ أَرَ تَحْتَهَا شَيْئًا فَقُلْتُ : وَاَللَّهِ قَدْ قَرَأْتُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَلَا أَرَاهَا أُثْبِتَتْ ، فَقَالَ الشَّخْصُ : صَدَقْتَ قَدْ قَرَأْتَهَا وَكَتَبْنَاهَا إلَّا أَنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا مِنْ قِبَلِ الْعَرْشِ : اُمْحُوهَا وَأَسْقِطُوا ثَوَابَهَا ، فَبَكَيْتُ فِي مَنَامِي وَقُلْتُ : لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : مَرَّ رَجُلٌ فَرَفَعْتَ بِهَا صَوْتَكَ لِأَجْلِهِ فَذَهَبَ ثَوَابُهَا .