فصل الفخر والخيلاء كبيرتان
الجزء ٣٢ · صفحة ١٩٥وَحُبُّ الرِّيَاسَةِ وَالشَّرَفِ ذَنْبٌ لِأَنَّهُمَا حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا ، قِيلَ : أَوَّلُ مَا يَنْزِعُ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ حُبَّ الرِّيَاسَةِ ، قَالَ أَدِيبٌ : لَقَدْ رَضِيَتْ هِمَّتِي بِالْخُمُولِ وَلَمْ تَرْضَ بِالرُّتَبِ الْعَالِيَهْ وَمَا جَهِلَتْ طِيبَ حَالِ الْعُلَا وَلَكِنَّهَا تَطْلُبُ الْعَافِيَهْ وَقَالَ آخَرُ : بِقَدْرِ الصُّعُودِ يَكُونُ الْهُبُوطُ فَإِيَّاكَ وَالرُّتَبَ الْعَالِيَهْ وَكُنَّ فِي مَكَان إذَا مَا سَقَطْتَ تَقُومُ وَرِجْلَاكَ فِي عَافِيَهْ وَقَالُوا : السَّلَامَةُ كَنْزٌ وَمِفْتَاحُهَا الزُّهْدُ ، وَكُلُّ مَا تَرَاهُ عَيْنُكَ رَهْنُ الزَّوَالِ ، وَمُقَدِّمَاتٌ يُنْتِجُهَا الْعَدَمُ ، وَأَرْسَلَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ إلَى الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ فَوَجَدَهُ يَبُلُّ كِسْرَةً بِمَاءٍ فَيَأْكُلُهَا فَقَالَ : أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : مَالِي إلَيْهِ حَاجَةٌ فَقَالَ : إنَّهُ يُغْنِيكَ ، فَقَالَ : مَا دُمْتُ أَجِدُ هَذَيْنِ فَإِنِّي لَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَقَالَ تِلْمِيذُهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : أَقَامَ الْخَلِيلُ فِي خُصٍّ مِنْ أَخْصَاصِ الْبَصْرَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِلْسٍ وَأَصْحَابُهُ يَكْتَسِبُونَ الْأَمْوَالَ بِعِلْمِهِ ، وَقَالَ شَاعِرٌ : عُذْ بِالْخُمُولِ وَلُذْ بِالْعَفْوِ مُعْتَصِمًا بِاَللَّهِ تَنْجُ كَمَا أُولُو النُّهَى سَلِمُوا فَالرِّيحُ تُحَطِّمُ إنْ هَبَّتْ عَوَاصِفُهَا دَوْحَ الثِّمَارِ وَيَنْجُو الشِّيحُ وَالرَّتَمُ وَقَالَ الشَّاعِرُ : عِشْ خَامِلَ الذِّكْرِ بَيْنَ النَّاسِ وَارْضَ بِهْ فَذَاكَ أَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الدِّينِ مَنْ عَاشَرَ النَّاسَ لَمْ تَسْلَمْ دِيَانَتُهُ وَلَمْ يَزَلْ بَيْنَ تَحْرِيكٍ وَتَسْكِينِ وَالزُّهْدُ ثَلَاثَةٌ : زُهْدُ فَرْضٍ وَهُوَ عَنْ الْحَرَامِ ، وَزُهْدُ فَضْلٍ وَهُوَ عَنْ الْحَلَالِ ، وَزُهْدُ سَلَامَةٍ وَهُوَ الزُّهْدُ عَنْ الشُّبُهَاتِ .