شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في إذلال النفس وتدنيسها

الجزء ٣٢ · صفحة ٣٠٤

ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، كُنْتُ فِي سَفِينَةٍ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُضْحِكٌ يَقُولُ : كُنَّا نَأْخُذُ بِشَعْرِ الْعِلْجِ فِي بِلَادِ التُّرْكِ هَكَذَا وَكَانَ يَأْخُذُ بِشَعْرِ رَأْسِي فَيَهُزُّنِي فَسَرَّنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّفِينَةِ أَحَدٌ أَحْقَرَ فِي عَيْنَيْهِ مِنِّي ، وَكُنْتُ عَلِيلًا فِي مَسْجِدٍ فَدَخَلَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ : اُخْرُجْ فَلَمْ أُطِقْ فَأَخَذَ بِرِجْلِي وَجَرَّنِي إلَى الْخَارِجِ ، .

وَكُنْتُ بِالشَّامِ وَعَلَيَّ فَرْوٌ فَنَظَرْتُ فِيهِ فَلَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ شَعْرِهِ وَبَيْنِ الْقَمْلِ فَسَرَّنِي ، وَعَنْهُ : مَا سُرِرْتُ بِشَيْءٍ كَسُرُورِي فِي يَوْمٍ كُنْتُ جَالِسًا فَجَاءَ إنْسَانٌ وَبَالَ عَلَيَّ ، وَقِيلَ : مَنْ رَأَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْ فِرْعَوْنَ فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ ؛ وَعَنْ الشِّبْلِيِّ : ذُلِّي أَبْطَلَ ذُلَّ الْيَهُودِ ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ : لَوْ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يَضَعُونِي كَاتِّضَاعِي عِنْدَ نَفْسِي مَا قَدَرُوا وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّ نَفْسَهُ أَعْدَى عَدُوِّهِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ لَهَا ، وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهَا أَصْدَقَ أَصْدِقَائِهِ فَيَعُدُّهُ مُمْتَنِعًا وَمُحَالًا ، وَإِنْ اخْتَلَجَ فِي قَلْبِكَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَدْنَى مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ فَقُلْ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَذَلَهُمَا وَأَضَلَّهُمَا فَوَقَعَا فِيمَا وَقَعَا وَوَفَّقَنِي وَهَدَانِي لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ، فَلَوْ عَكَسَ لَعُكِسَ ، وَلَيْسَ اجْتِنَابُ نَفْسِي مِمَّا فَعَلَاهُ مِنْ ذَاتِهَا بَلْ مِنْ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي مِنْ الْخَبَائِثِ الْكَثِيرَةِ وَالْعُيُوبِ الْعَظِيمَةِ مَا لَا أَعْلَمُ مِنْهُمَا ، وَالْمَعْلُومُ أَدْنَى مِنْ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَالْمَجْهُولِ ، وَلَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَمُوتُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ .

وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عِيَاضٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ﴾ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي

١٥٬٨٠٤ / ١٧٬٤٣٨