باب في الزهد والرغبة في الإسلام
الجزء ٣٢ · صفحة ٤٩٤خُطَبِهِ : سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ قِيلَ وَرَدَ عَلَى أَنُوشِرْوَانَ حَكِيمُ الْهِنْدِ وَفَيْلَسُوفُ الرُّومِ فَقَالَ لِلْهِنْدِيِّ : تَكَلَّمْ فَقَالَ : خَيْرُ النَّاسِ مَنْ أُلْفِيَ عِنْدَ السُّؤَالِ سَخِيًّا وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَقُورًا ، وَفِي الْقَوْلِ مُتَأَنِّيًا وَفِي الرِّفْعَةِ مُتَوَاضِعًا وَعَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُشْفِقًا ، وَقَامَ الرُّومِيُّ فَقَالَ : مَنْ كَانَ بَخِيلًا وَرِثَ عَدُوُّهُ مَالَهُ ، وَمَنْ قَلَّ شُكْرُهُ لَمْ يَنَلْ النُّجْحَ ، وَأَهْلُ الْكَذِبِ مَذْمُومُونَ وَأَهْلُ النَّمِيمَةِ يَمُوتُونَ فُقَرَاءَ ، وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَرْحَمُهُ .
وَقَالَ شَاعِرٌ يُخَاطِبُ بَخِيلًا يُحِبُّ الثَّنَاءَ أَرَاك تُؤَمِّلُ حُسْنَ الثَّنَاءِ وَلَمْ يَرْزُقْ اللَّهُ ذَاكَ الْبَخِيلَا وَكَيْفَ يَسُودُ أَخُو بَطْنِهِ يَمُنُّ كَثِيرًا وَيُعْطِي قَلِيلَا وَعَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ﴾ أَيْ بُخْلًا أَمْسَكَ اللَّهُ أَيْدِيَهُمْ عَنْ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ الْهُدَى وَقَالَ كَعْبٌ : مَا مِنْ صَبَاحٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَقُولَانِ : اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِلْمُمْسِكِ تَلَفًا وَلِلْمُنْفِقِ خَلَفًا .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ إلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِلْمُمْسِكِ تَلَفًا وَلِلْمُنْفِقِ خَلَفًا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ ﴾ ﴿ وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الزُّبَيْرِ إمْسَاكٌ فَجَذَبَ عِمَامَتَهُ إلَيْهِ فَقَالَ : يَا زُبَيْرُ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكَ وَإِلَى غَيْرِكَ ، يَقُولُ : أَنْفِقْ أُنْفِقُ عَلَيْكَ وَلَا تُوكِ فَأُوكِيَ عَلَيْكَ ﴾ أَيْ لَا تَرْبِطْ عَلَى مَالِكِ إمْسَاكًا لَهُ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَصِفُ رَجُلًا وَيَقُولُ : لَقَدْ صَغُرَ فِي