باب في الزهد والرغبة في الإسلام
الجزء ٣٢ · صفحة ٤٩٦السَّخِيُّ .
قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ الْبَخِيلَ قَدْ كَفَانِي بُخْلُهُ ، وَالْفَاسِقُ السَّخِيُّ أَخَافُ أَنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي مَنِّ سَخَائِهِ أَيْ يَرْحَمَهُ بِسَخَائِهِ وَيَتُوبَ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ ، ثُمَّ وَلَّى وَهُوَ يَقُولُ : لَوْلَا أَنَّكَ يَحْيَى مَا أَخْبَرْتُكَ وَيُقَالُ : ضَيْفُ الْبَخِيلِ آمِنٌ مِنْ التِّخَةِ وَقِيلَ لِامْرَأَةٍ : مَا الْجُرْحُ الَّذِي لَا يَنْدَمِلُ ؟ قَالَتْ : حَاجَةُ الْكَرِيمِ إلَى اللَّئِيمِ يَرُدُّهُ ، قِيلَ لَهَا : فَمَا الذُّلُّ قَالَتْ : وُقُوفُ الشَّرِيفِ إلَى بَابِ الدَّنِيءِ ثُمَّ لَا يُؤْذِنُ لَهُ قِيلَ لَهَا : فَمَا الشَّرَفُ ؟ قَالَتْ اتِّخَاذُ الْمِنَنِ فِي رِقَابِ الرِّجَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخْلَ ذَرِيعَةٌ إلَى كُلِّ مَذَمَّةٍ وَقَدْ يَحْدُثُ لِلْمَرْءِ بِسَبَبِهِ أَرْبَعَةُ أَخْلَاقٍ نَاهِيكَ بِهَا ذَمًّا : الْحِرْصُ ، وَالشَّرَهُ ، وَسُوءُ الظَّنِّ وَمَنْعُ الْحُقُوقِ ؛ فَالْحِرْصُ شِدَّةُ الْكَدْحِ وَالْإِسْرَافُ فِي الطَّلَبِ وَالشَّرَهُ اسْتِقْلَالُ الْكِفَايَةِ وَالِاسْتِكْثَارُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ .
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَنْ لَا يُجْدِيهِ مِنْ الْعَيْشِ مَا يَكْفِيهِ لَمْ يَجِدْ مَا عَاشَ مَا يُغْنِيهِ ﴾ قَالَ حَكِيمٌ : الشَّرَهُ مِنْ عَزَائِمِ اللَّوْمِ وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ فَهُوَ عَدَمُ الثِّقَةِ بِمَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ فَإِنْ كَانَ بِالْخَالِقِ كَانَ شَكًّا يَئُولُ إلَى الضَّلَالِ ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَخْلُوقِ كَانَ اسْتِخَانَةً يَصِيرُ بِهَا خَوَّانًا مُخْتَانًا لِأَنَّ ظَنَّ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا خَيْرًا ظَنَّهُ بِغَيْرِهِ ، وَإِنْ رَأَى سُوءًا اعْتَقَدَهُ فِي النَّاسِ .
وَفِي الْمَثَلِ : كُلُّ إنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ مِنْ الْحَزْمِ ظَنُّ السُّوءِ بِالنَّاسِ تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِرْسَالِ إلَيْهِمْ ، وَأَمَّا مَنْعُ الْحُقُوقِ فَإِنَّ نَفْسَ الْبَخِيلِ لَا تَسْمَحُ بِفِرَاقِ مَحْبُوبِهَا وَمَحْبُوبُ الْبَخِيلِ الْمَالُ فَإِنَّ سَبَبَ الْبُخْلِ حُبُّ الْمَالِ ، وَلِحُبِّهِ سَبَبَانِ ، الْأَوَّلُ حُبُّ الشَّهَوَاتِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِالْمَالِ مَعَ