شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في بغض المعروف وأهله والأشر والبطر والغيبة والنميمة

الجزء ٣٣ · صفحة ٦١

الصَّنْعَةَ بِلَا صَانِعٍ فَيَعْلَمُ أَنَّ الصَّانِعَ لِلْمَخْلُوقَاتِ اللَّهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا ، وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا فَيَبْحَثُ عَنْ هَذَا الْحَقِّ مَا هُوَ ؟ حَتَّى يَتَّصِلَ بِالْكِتَابِ أَوْ الرَّسُولِ أَوْ مَنْ يُعَلِّمُهُ الشَّرِيعَةَ فَيَتَعَلَّمُ حُقُوقَ اللَّهِ فَيُؤَدِّيهَا ، فَالْحُجَّةُ عِنْدِي الْعَقْلُ وَالْكُتُبُ وَالرُّسُلُ ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ البرادي أَعْنِي أَنَّهُ قَالَ : الْحُجَّةُ : الْعَقْلُ وَالْكُتُبُ وَالرُّسُلُ ا هـ .

فَمَنْ سَمِعَ فَبِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ فَبِعَدْلِ اللَّهِ ، وَتَفْرِيطِهِ فِي الطَّلَبِ بَعْدَ أَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أَنَّ لِلصَّنْعَةِ صَانِعًا ، فَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ نَبِيٍّ فَهُوَ مَعْذُورٌ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا يَنْسَخُهُ ، وَمَنْ غَابَ وَنَزَلَ وَحْيٌ بَعْدَهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا نَزَلَ بَعْدَهُ ، وَالْأَصَمُّ مُكَلَّفٌ إنْ كَانَ عِنْدَهُ عَقْلٌ ، وَيَفْهَمُ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ ، وَالْعَقْلُ حُجَّةٌ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ مُطْلَقًا وَحُجَّةٌ وَحْدَهُ فِي التَّوْحِيدِ لِدَلَالَةِ الْحَوَادِثِ ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ وَحْدَهُ حُجَّةً مُطْلَقًا لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْعَقْلِ ، ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى نُرَكِّبَ عُقُولًا ، وَجَعَلَ اللَّهُ لَنَا دَلِيلًا فِي أَنْفُسِنَا وَسَائِرِ خَلْقِهِ وَقَالَ : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إلَى جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ فَكُلُّهُمْ سَمِعُوا بِأَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ آخِرُهَا حُجَّةُ الْعَقْلِ فِي التَّوْحِيدِ يُدْرِكُ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ وَالشَّيْءُ لَا يَخْلُقُهُ مِثْلُهُ لِاسْتِوَائِهِ مَعَهُ فِي التَّرْكِيبِ وَالْحُدُوثِ وَالْعَجْزِ ، فَيَعْلَمُ أَنَّ الْخَالِقَ لَيْسَ مِثْلَ الْمَخْلُوقِ ، وَإِذَا تَبَيَّنَ مَا تَبَيَّنَ فَلَا

١٦٬٠٦١ / ١٧٬٤٣٨