فصل في الأشر والبطر
الجزء ٣٣ · صفحة ٧٦غَضَبِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَعَدَّى الْوَاجِبَ أَوْ يَكُونُ شَافِيًا غَيْظَهُ وَمُرِيحًا نَفْسَهُ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الِانْتِصَارُ لِلَّهِ .
أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ سَكْرَانًا لِيُعَزِّرَهُ إذَا صَحَا فَشَتَمَهُ ، فَرَجَعَ عُمَرُ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : ؛ لِأَنَّهُ أَغْضَبَنِي وَلَوْ عَزَّرْتُهُ لَكَانَ ذَلِكَ لِغَضَبِ نَفْسِي وَلَمْ أُحِبُّ أَنْ أَضْرِبَ مُسْلِمًا لِحَمِيَّةِ نَفْسِي ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْلَا أَنَّكَ أَغْضَبْتَنِي لَعَاقَبْتُكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيُعَافِيهِ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ ﴾ وَيُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا أَتَى بِرَجُلٍ جَنَى جِنَايَةً فَرَأَى نَاسًا يَسِيرُونَ خَلْفَهُ فَقَالَ : لَا مَرْحَبًا بِوُجُوهٍ لَا تُرَى إلَّا عِنْدَ سَوْأَة وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ ﴾ وَقِيلَ لِأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَشَدُّ عَلَيْكَ فِي بَلَائِكَ ؟ .
قَالَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا : أَفِيقُوا سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا وَلَيْسَ الْفَرَحُ بِمُسَاءَةِ النَّاسِ وَالشَّتْمُ بِهِمْ مِنْ أَخْلَاقِ الْعُقَلَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ؛ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الْبَلَاءِ ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ فِيهَا لَا يُعْطَى لَهُ الْأَمَانُ مِنْ الرَّزَايَا ، وَالْأَوْلِيَاءُ مِنْ صِفَاتِهِمْ الرَّحْمَةُ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ .
أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : ارْحَمْ عِبَادِي : الْمُبْتَلَى مِنْهُمْ وَالْمُعَافَى قَالَ : يَا رَبِّ هَذَا الْمُبْتَلَى فَمَا بَالُ الْمُعَافَى ؟ قَالَ : لِقِلَّةِ شُكْرِهِ إيَّايَ عَلَى عَافِيَتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .