شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الغيبة

الجزء ٣٣ · صفحة ٩٤

الرِّئَاءِ وَالْإِعْجَابِ مِنْ الدِّينِ كَالسَّرِقَةِ ، وَفِي كِتَابِ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ : الْغِيبَةُ تَعُمُّ ذِكْرُ عُيُوبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَكِنْ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ عِنْدَ عُلَمَائِنَا .

فَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ قَاضِي خَانَ وَذَكَرَ عَنْهُ : الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَضُرُّ النَّاسَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ، فَذِكْرٌ بِمَا فِيهِ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَإِنْ أَخْبَرَ السُّلْطَانَ بِذَلِكَ لِيَزْجُرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ رَجُلًا يَذْكُرُ مَسَاوِئَ أَخِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً ، إنَّمَا الْغِيبَةُ : أَنْ يَذْكُرَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ يُرِيدُ بِهِ السَّبَّ ، قَالَ : فَذِكْرُ الْعَيْبِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَوْ لِلِاسْتِفْتَاءِ أَوْ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ شَرِّهِ أَوْ التَّعْرِيفِ كَالْأَعْرَجِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِغِيبَةٍ ، وَلَا غِيبَةَ لِلْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ ، وَتَكُونُ الْغِيبَةُ أَيْضًا بِالْقَلْبِ وَهِيَ ظَنُّ السَّوْءِ إذَا ظَنَّ سَوْءًا أَوْ أَبْقَى نَفْسَهُ عَلَى الظَّنِّ وَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَحْقِيقِ الظَّنِّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ ﴾ أَيْ : لَا تُحَقِّقْ بِعَقْدٍ وَلَا فِعْلٍ لَا فِي الْقَلْبِ وَلَا فِي الْجَوَارِحِ ، أَمَّا فِي الْقَلْبِ فَبِتَغَيُّرِهِ إلَى النَّفْرَةِ وَالْكَرَاهَةِ فَإِنَّ أَمَارَةَ عَقْدِ الظَّنِّ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقَلْبُ مِنْهُ عَمَّا كَانَ فَيَنْفِرُ نُفُورًا مَا وَيَسْتَثْقِلُهُ وَيَفْتُرُ عَنْ مُرَاعَاتِهِ وَتَفَقُّدِهِ وَإِكْرَامِهِ وَالِاغْتِمَامِ بِسَبَبِهِ .

وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَقُولَ : هُوَ رَجُلٌ مَسْتُورُ الْحَالِ وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ ، فَمَا دُمْتَ لَمْ تُشَاهِدْ مُشَاهَدَةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَالْأَمْرُ مَسْتُورٌ ، وَدَعْهُ فِي السِّتْرِ وَأَعْرِضْ عَمَّا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ أَفْسَقُ الْفُسَّاقِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ بَلْ لَوْ حَكَى

١٦٬٠٩٤ / ١٧٬٤٣٨